واعلم أن للحق سبحانه في القلوب تجليين ، التجلي الأول في الكثائف ، وهو تجليه في الصور التي تدركها الأبصار والخيال ، مثل رؤية الحق في النوم ، ويعرف أنه الحق ، ولا يشك الرائي ، وكذلك في الكشف ، ويقول له عابر الرؤيا : حقا رأيت ، وهو في الخيال المتصل ، فيظهر تجلي الحق في الصور التي ينكر فيها ، أو يرى في النوم ، فيرى الحق في صورة الخلق بسبب حضرة الخيال ، فإن صاحب الرؤيا إذا رأى ربه تعالى كفاحا في منامه - في أي صورة يراه - فيقول : رأيت ربي في صورة كذا وكذا ، ويصدق ، مع قوله تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فنفى عنه المماثلة في قبوله التجلي في الصور كلها ، التي لا نهاية لها لنفسه ، فإن كل ما سواه تعالى ممن له التجلي في الصور ، لا يتجلى لشيء منها لنفسه ، وإنما يتجلى فيها بمشيئة خالقه وتكوينه ، فيقول للصورة التي يتجلى فيها من هذه صفته : كن ، فتكون الصورة ، فيظهر بها من له هذا القبول من المخلوقين ، كالأرواح والمتروحنين من الأناسي ، كقضيب البان كان له مقام التحول في الصور ، كما للروحانيين التشكل في صور بني آدم ، فلا يعرف أنه ملك ، يقول اللّه تعالى
فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
فجعل التركيب للّه لا له ، وفي نسبة الصورة للّه يقال : في أي صورة شاء ظهر ، من غير جعل جاعل ، والتجلي الآخر في حال التخيل في عبادتك ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم ما ينطق عن الهوى ، وقد صح عنه أنه قال لجبريل عليه السلام : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » فهذا تنزيل خيالي ، فأدخل سبحانه نفسه في التخيل من أجل كاف التشبيه ، فإن الإحسان عيان وفي منزلة كأنه عيان « 1 » ، وهو إنزال المعنى الروحاني إلى المحسوس في العيان ، وليس إلا الخيال ، الحاكم بالوجوب والوجود في الممكن والمحال ، فجاء بكأن ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم للصحابي الذي قال : « كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا » فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « عرفت فالزم » وهذا التجلي الآخر ، ألطف من تجلي الحس بما لا يتقارب ، ولهذا يسرع إليه التقلب من حال إلى حال .
( ف ح 1 / 383 ، 384 - ح 2 / 312 ، 472 - ح 4 / 19 - ح 1 / 182 - ح 4 / 19 - ح 2 / 124 - ح 4 / 360 - ح 1 / 384 )
هامش
( 1 ) الإحسان إحسانان : الأعلى وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم « فإن لم تكن تراه فإنه يراك » فهذا إحسان عيان ، والثاني قوله صلى اللّه عليه وسلم « اعبد اللّه كأنك تراه » فهو إحسان كأنه عيان .