لهذا يتخيل من لا معرفة له بما ينبغي لجلال اللّه ويتصوره ، فإن الشرع قد جاء في أماكن يقرر ما ضبطه الخيال المتصل ، من كينونة الحق في قبلة المصلي ، وفي مواجهة المصلي إياه ، فقبله الخيال المتصل ، فإذا تحكم الخيال المتصل على الحق بتصوره ، فما ظنك بالخيال المطلق ، الذي هو كينونة الحق فيه ، وهو العماء ، والخيال المتصل من بعض وجوه الخيال المطلق ، الذي هو الحضرة الجامعة والمرتبة الشاملة ، فمن تلك القوة ضبطه الخيال المتصل ، وفي حضرة الخيال المطلق المنفصل لا بد أن يتخيل المحتضر ما يعتقده ، فإنه ليس في قوته أن يجرده عن الخيال وهو عند الاحتضار ، فللاحتضار حال استشراف على حضرة الخيال الصحيح ، ما هو الخيال الذي هو قوة في الإنسان في مقدم دماغه « 1 » . ( ف ح 2 / 310 ، 296 )
ولما لم يكن له تعالى ظهور إلى خلقه إلا في صورة ، وصوره مختلفة في كل تجل ، لا تتكرر صورة ، فإنه سبحانه لا يتجلى في صورة مرتين ، ولا في صورة واحدة لشخصين ، ولما كان الأمر كذلك ، لم ينضبط للعقل ولا للعين ما هو الأمر عليه ، ولا يمكن للعقل تقييده بصورة ما من تلك الصور ، فإنه ينتقض له ذلك التقييد في التجلي الآخر بالصورة الأخرى ، وهو اللّه في ذلك كله ، لا يشك ولا يرتاب إلا إذا تجلى له في غير معتقده ، فإنه يتعوذ منه كما ورد في صحيح الأخبار ، فيعلم أن ثمّ في نفس الأمر عينا تقبل الظهور في هذه الصور المختلفة ، لا يعرف لها ماهية أصلا ولا كيفية ، وإذا حكم بكيفية ، فيقول : الكيفية ظهورها فيما شاء من الصور ، فتكون الصور مشاءة ، وكل مشاء معدوم بلا شك ، فما ظهر لك إلا حادث في عين قديم ، فما رأيت إلا حادثا مثلك ، لأنك ما رأيت إلا صورة يقيدها نظرك ببصر هو الحق ، في عين هو الحق ، أعني في العين التي ظهرت في تلك الصورة ، فهو مدرك
هامش
( 1 ) في حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الشيخان مطولا ، وفيه عن الحشر يوم القيامة « حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللّه من بر وفاجر ، أتاهم اللّه في أدنى صورة من التي رأوه فيها . .
فيقول : أنا ربكم : فيقولون نعوذ باللّه منك لا نشرك باللّه شيئا ، مرتين أو ثلاثا ، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب ، فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون نعم . . » الحديث - فهذه الآية هي الصورة التي يضبطها المحتضر .