تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
لشهوة العبد ، كما هو العبد في مشيئته تحت مشيئة الحق ، فما للحق شأن إلا مراقبة العبد ، ليوجد له جميع ما يريد إيجاده في هذه الحضرة في الدنيا ، وكذلك في الآخرة ، والعبد تبع للحق في صور التجلي ، فما يتجلى الحق له في صورة إلا انصبغ بها ، فهو يتحول في الصور لتحول الحق ، والحق يتحول في الإيجاد لتحول مشيئة العبد ، في هذه الحضرة الخيالية في الدنيا خاصة ، وفي الآخرة في الجنة عموما ، لأن الإنسان في الآخرة يتنوع ظاهره ، كما كان يتنوع باطنه في الدنيا ، في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهي ، فينصبغ بها انصباغا ، فذلك هو التضاهي الإلهي الخيالي ، غير أنه في الآخرة ظاهر وفي الدنيا باطن ، فحكم الخيال مستصحب للإنسان في الآخرة ، وذلك هو المعبر عنه بالشأن الذي هو فيه الحق من قوله
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
فلم يزل ولا يزال ، فإن من حكم نشأة الآخرة القوة التي لا ضعف يعقبها ، فيتكون عن أهل السعادة حسا ، ما يتكون هنا في الدار الدنيا في خيالهم معنى ، وقد يكون في متعلق خاص حسا قدرة عليه ، كمن يريد أن يقوم فيقوم ، ويريد أن يكتب فيكتب ، وأما ما لا قدرة له ، ولا قوة له عليه أن يكون منه في الحس ، فإنه يقوى على إيجاده خيالا في نفسه ، فإن الروح الواحد يدبر أجساما متعددة ، إذا كان له الاقتدار على ذلك ، ويكون ذلك في الدنيا للولي بخرق العادة ، وفي الآخرة نشأة الإنسان تعطي ذلك ، كما يدبر الروح الواحد سائر أعضاء البدن ، من يد ورجل وسمع وبصر وغير ذلك ، وكما تؤاخذ النفس بأفعال الجوارح على ما يقع منها ، كذلك الأجساد الكثيرة التي يدبرها روح واحد ، أي شيء وقع منها يسأل عنه ذلك الروح الواحد ، وإن كان ما يقع من هذا الجسم من الفعل مثل ما يقع من الجسم الآخر ، فيكون ما يلزمه من المؤاخذة على فعل أحد الجسمين يلزمه على فعل الآخر ، وكل ما يكون في الآخرة محسوسا ، وإن كان في قضية العقل محالا ، فما استحال وجوده في الخيال ، كذلك لا يستحيل وقوعه حسا ، لأن الخيال على الحقيقة إنما هو حضرة من حضرات الحس ، ولهذا يلحق المحال محسوسا ، فيكون في الآخرة أو حيث أراد اللّه محسوسا ، ولهذا كان في الآخرة لا في الأولى ، فإن الخيال في الدرجة الأخيرة من الحس ، فإنه عن الحس يأخذ ما يكسوه من الصور للمحال وغيره ، فلهذا حيث كان لا يكون إلا في الآخرة ، وأي قوة أعظم قوة ممن يلحق المحال الوجود بالموجود المحسوس ، حتى تراه