تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
ومن لا يعرف مرتبة الخيال فلا معرفة له جملة واحدة ، وهذا الركن من المعرفة إذا لم يحصل للعارفين ، فما عندهم من المعرفة رائحة ، فمن العلم الذي يختص به أهل اللّه تعالى ، معرفة الكشف الخيالي ، ثم إنه مما يؤيد ما ذكرناه ، أنك لا تشك أنك مدرك لما أدركته أنه حق محسوس ، لما تعلق به الحس ، وأن الحديث الوارد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » فنبه أن ما أدركتموه في هذه الدار مثل إدراك النائم ، بل هو إدراك النائم في النوم ، وهو خيال ، ولا تشك أن الناس في برزخ بين هذه الدار والدار الآخرة ، وهو مقام الخيال ، فانتباهك بالموت ، هو كمن يرى أنه استيقظ في النوم في حال نومه ، فيقول في النوم : رأيت كذا وكذا ، وهو يظن أنه قد استيقظ ، ثم إذا بعث في النشأة الآخرة ، يقول المبعوث
مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا
فكأن كونه في مدة موته كالنائم في حال نومه ، مع كون الشارع سماه يقظة ، وهكذا كل حال تكون فيه ، لا بد لك من الانتقال عنه ، وتبقى مثل ما كنت عليه في خيالك المتصل ، وفي قوة كونه على الحقيقة في الخيال المنفصل ، قال تعالى
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
أبان اللّه لنا فيما ذكره في هذه الآية ، أن الذي كنا نظنه حقيقة محسوسة ، إنما هي متخيلة يراها رأي العين ، والأمر في نفسه على خلاف ما تشهده العين ، وهذا سار في جميع القوى الجسمانية والروحانية ، وحقيقة الخيال التبدل في كل حال ، والظهور في كل صورة ، والحقائق لا تتبدل ، فكل ما سوى ذات الحق فهو في مقام الاستحالة السريعة والبطيئة ، وهو خيال حائل وظل زائل ، فلا يبقى كون في الدنيا والآخرة وما بينهما ، ولا روح ولا نفس ، ولا شيء مما سوى اللّه - أعني ذات الحق - على حالة واحدة ، بل يتبدل من صورة إلى صورة دائما أبدا ، وليس الخيال إلا هذا ، فهذا هو عين معقولية الخيال ، فالعالم ما ظهر إلا في خيال ، فهو متخيل لنفسه ، وهو كله في صور مثل منصوبة ، فالحضرة الوجودية إنما هي حضرة الخيال ، والوجود المحدث خيال منصوب ، ثم تقسم ما تراه من الصور إلى محسوس ومتخيل ، والكل متخيل ، وهذا لا قائل به إلا من أشهد هذا المشهد ، والشهود عناية من اللّه ، أعطاها إيانا نور الإيمان ، الذي أنار اللّه به بصائرنا ، ومن علم ما قررناه ، علم علم الأرض المخلوقة من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام ، وعلم أن العالم بأسره - لا