تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
في بيته نائم ، ويرى نفسه على صورته المعهودة في مدينة أخرى ، وعلى حالة أخرى تخالف حاله الذي هو عليها ، وهو عينه لا غيره ، فيرى الإنسان نفسه في المنام - وهو عين واحدة - في أماكن متعددة ، والعقول تحيل أن يكون الجسم في مكانين ، والخيال قد حكم به ، فإذا كان المخلوق في قوته الإمكان ، فيما أحاله دليل عقل الإنسان ، فما ظنك بخالق هذا المخلوق وهو الواحد الحق ؟ ومن هذا الباب مشاهدة المقتول في سبيل اللّه في المعركة ، وهو في نفس الأمر حي يرزق ويأكل ، يدركه المؤمن بإيمانه ، والمكاشف ببصره ، وكالميت في قبره ، يشاهده ساكنا وهو متكلم يسأل ويجيب « 1 » ، فإن قلت لمن يرى هذا إنه خيل له ، يقول لك : بل أنت خيل لك أنه ساكت وهو متكلم ، وخيل لك أنه مضطجع وهو قاعد ، ويعضده في قوله الإيمان بالخبر الصحيح الوارد ، فهو أقوى في الدلالة منك ، فعينه أتم نظرا من عينك ، والكامل النظر الذي هو أكمل من الاثنين ، يقول لكل واحد منهما : صدقت ، هو ساكت متكلم ، مضطجع قاعد ، مقتول حي ، وكل صورة مشهوده فيه من الباب الذي ذكرناه ، ومن ذلك الصورة في المرآة وكل جسم صقيل ، إن كان الجسم الصقيل كبيرا كبرت الصورة المرئية فيه ، ثم إذا نظرت إلى الصورة من خارج ، وجدتها غير متنوعة فيما ظهر فيها من التنوع بتنوع المرائي ، حتى في تموج الماء تظهر الصورة متموجة ، وكل عين - أي كل نظرة - تقول للأخرى : إنها في مقام الخيال ، وإن الحق بيدها ، وتصدق كل نظرة منها ، فتعلم قطعا أن الصورة المرئية في المرائي والأجسام الصقيلة ، إنما ظهورها في الخيال كرؤية النائم وتشكل الروحاني سواء ، وأنها ليست في المرآة ولا في الحس ، فإنها تخالف صورة الحس ، من حيث تعلقه الخاص به دون المرآة ، وليس في الوجود في الغيب والشهادة إلا ما ذكرناه ، فثبت بذلك أن الحكم للخيال بكل وجه وعلى كل حال ، في المحسوس والمعقول والحواس والعقول ، وفي الصور والمعاني ، وفي المحدث وفي القديم ، وفي المحال وفي الممكن وفي الواجب ، فإن اللّه سلّطه على المعاني يكسوها مواد يظهر فيها ، لا يتمكن لمعنى يمنع نفسه منه ، فحاز الخيال درجة الحس والمعنى ، فلطّف المحسوس ، وكثّف المعنى ، فكان له الاقتدار التام . ( ف ح 2 / 312 - ح 4 / 360 - ح 2 / 312 ، 313 - ح 3 / 232 ، 451 )
هامش
( 1 ) إشارة إلى سؤال الملكين في القبر .