تلقاه بأحسن أدب ، وصرفه بأحسن خلعة وزينة ، وقد غاب عن هدا القدر من المعرفة جماعة من العارفين ، وأنفت نفوسهم من ذلك ، لمشاركة أهل الأغراض من العامة فيه ، وما علموا أن هذا الرجل له مشاهدة الجمال المطلق في الجمال المقيد وفي غيره ، بخلاف العامة .
فمن أحوال القطب تقرير العادات والجري عليها ، ولا يظهر عليه خرق عادة دائما كما يظهر على صاحب الحال ، ولا يكون خرق العادة مقصودا له ، بل تظهر منه ولا تظهر عنه ، إذ لا اختيار له في ذلك .
( ف ح 2 / 573 ، 574 ) .
مقام القيومية والحفظ :
رجال اللّه الذين يحفظون نفوسهم من حكم سلطان الغفلة ، الحائلة بينهم وبين ما أمر اللّه به من المراقبة ، هم قسمان : قسم له الإطلاق في الحفظ ، كإطلاق حكم الشرع في أفعال المكلف ، وقسم له التقييد في الحفظ ظاهرا لا باطنا ، فأما أهل الإطلاق فمنهم من يحافظ على ما عيّن الحق له منه أنه وسعه ، وهو القلب ، ومنهم من يحافظ على ملازمة الحجاب ، الذي يعلم أن الحق وراءه ، فيكون له كالحاجب في العالم ، ينفذ أوامره ، وهذه حالة القطب ، فليس له من اللّه إلا صفة الخطاب لا الشهود ، لأنه صاحب الديوان الإلهي ، فلا يكون إلا من وراء حجاب إلى أن يموت ، فإذا مات لقي اللّه ، وهو مسؤول عن العالم ، والعالم مسؤول عنه ، ولما لم يكن في وسع البشر أن يتخلق بالقيومية المطلقة ، وغاية من يقوم بها قطب الوقت ، فإن له الأكثر فيها من سواه ، فإنه بسهر قلبه يحفظ ذاته الباطنة ، كما يحفظ بسهر عينه ذاته الظاهرة وإن كان نائما ، فهو ممن ينام عينه ولا ينام قلبه ، ويحفظ غيره بحفظه ، فإن الحفظ الإلهي ما هو الحفظ العرضي ، فإن اللّه تعالى ما رأيناه يحفظ على كل عين صورتها ، بل الواقع غير ذلك ، وهو مطلق الحفظ ، فليس الحفظ ما يتخيل من حفظ الصور على أعيانها ، وإنما الحفظ المطلق هو أن ينظر الحافظ في المحفوظ ، فإذا كان من عالم التغيير والاستحالات ، فيحفظ عليه التغيير والاستحالات ، فإن لم يتغير ولا استحال ، فما حفظ عليه ما تستحقه ذاته . ( ف ح 3 / 228 - ح 2 / 182 ) .