تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر — صفحة القطب الغوث 18

مساهمون:

صالقطب الغوث ١٨
واليا عليها ، ثم ينتظر الإجابة من اللّه فيما سأله ، فإن شاء أعطاه ما سأل عاجلا أو آجلا ، فمرتبته الإلحاح في السؤال والشفاعة في حق طبيعته ، بخلاف أصحاب الأحوال ، فإن الأشياء تتكون عن همتهم وطرحهم الأسباب عن نفوسهم ، فهم ربانيون ، والقطب منزه عن الحال ، ثابت في العلم ، مشهود فيه فيتصرف به ، فإن أطلعه الحق على ما يكون ، أخبر بذلك على جهة الافتقار والمنة للّه ، لا على جهة الافتخار ، لا تطوى له أرض ، ولا يمشي في هواء ولا على ماء ، ولا يأكل من غير سبب ، ولا يطرأ عليه شيء مما ذكرناه من خرق العوائد وما تعطيه الأحوال إلا نادرا ، لأمر يراه الحق فيفعله ، لا يكون ذلك مطلوبا للقطب ، يجوع اضطرارا لا اختيارا ، ويصبر عن النكاح كذلك لعدم الطول ، يعلم من تجلي النكاح ما يحرضه على طلبه والتعشق به ، فإنه لا يتحقق له ولا لغيره من العارفين عبوديته أكثر مما يتحقق له في النكاح ، لا في أكل ولا في شرب ولا في لباس لدفع مضرة ، ولا يرغب في النكاح للنسل بل لمجرد الشهوة ، وإحضار التناسل في نفسه لأمر مشروع ، والتناسل في ذلك للأمر الطبيعي لحفظ بقاء النوع في هذه الدار ، فإن نكاح صاحب هذا المقام كنكاح أهل الجنة لمجرد الشهوة ، إذ هو التجلي الأعظم الذي خفي عن الثقلين ، إلا من اختصه اللّه به من عباده ، وعلى هذا يجري نكاح البهائم لمجرد الشهوة ، لكن غاب عن هذه الحقيقة كثير من العارفين ، فإنه من الأسرار التي لا يقف عليها إلا القليل من أهل العناية ، ولو لم يكن فيه من الشرف التام ، الدال على ما تستحقه العبودية من الضعف ، إلا ما يجد فيه من قهر اللذة المفنية له عن قوته ودعواه ، فهو قهر لذيذ ، إذ القهر مناف للالتذاذ به في حق المقهور ، لأن اللذة في القهر من خصائص القاهر لا من خصائص المقهور ، إلا في هذا الفعل خاصة ، وقد غاب الناس عن هذا الشرف ، وجعلوه شهوة حيوانية ، نزهوا نفوسهم عنها ، مع كونهم سمّوها بأشرف الأسماء ، وهو قولهم حيوانية ، أي هي من خصائص الحيوان ، وأي شرف أعظم من الحياة ! ! فما اعتقدوه قبحا في حقهم ، هو عين المدح عند العارف المكمل . وأما حبّ القطب الجمال المقيد المندرج في الجمال المطلق ، فذلك لقربه في المناسبة إلى الجمال ، فلا يحتاج فيه إلى غور بعيد ، وقوة يشق بها حجاب قبح الطبع إلى إدراك الجمال الإلهي المودع في ذلك القبح ، فالجمال المقيد يعطيه بأول وهلة مقصوده ، حتى يتفرغ إلى أمر آخر ، آكد عليه من مقاومة القبح الطبيعي لإدراك الجمال المطلق ، إذ الأنفاس عزيزة في دار التكليف ، ويريد أن لا يكون له نفس إلا وقد