تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر — صفحة القطب الغوث 16

مساهمون:

صالقطب الغوث ١٦
به من طاعة اللّه في أحكامه ، فإن اللّه قد جعل زمام كل نفس بيد صاحبها وأمرها إليه ، فإنه لما كان النبات برزخيا كان مرآة قابلا لصور ما هو لها برزخ ، وهما الحيوان والمعدن ، إذا بايع بايع لبيعته ما ظهر فيه من صور ما هو برزخ لهما تابعا له ، فتضمنت بيعة النبات بيعة الحيوان والمعادن ، لأن هذا الإمام يشاهد الصور الظاهرة في مرآة البرازخ ، وهو علم عجيب ، كما يرى الناظر في المرآة في الحس غير صورته ، مما تقبله المرآة من صور غير الناظر من الأشخاص ، فيدرك فيها ما هي تلك الأشخاص عليه في أنفسها ، مع كونها في أعيانها غيبا عنه ، وما رأى لها صورة إلا في هذا الجسم الصقيل ، فإن أعطته تلك الصورة علما غير النظر إليها ، كان ذلك العطاء بمنزلة ما يعطي المبايع في البيعة من السمع والطاعة لمن بايعه ، وإن لم تعط علما لم يرجع ذلك إليها ، وإنما هو رجع إلى الناظر ، وأنه ليس بإمام ولا خليفة ولا له بيعة أصلا ، وبهذا يتميز الإمام في نفسه عن غيره ، ويعلم أنه إمام ، فإن أخذ العلم هذا الناظر من تلك الصورة بحكم التفكر والاعتبار ، فيخيل إليه أنه إمام وقته فليس ذلك ، إلا أن تعطيه الصور العلم من ذاتها كشفا من غير فكر ولا اعتبار ، وإن اتفق أن يساويه صاحب الفكر في ذلك العلم الكشفي ، فليس بإمام لاختلاف الطريق ، فإن الإمام لا يقتني العلوم من فكره ، بل لو رجع إلى نظره لأخطأ ، فإن نفسه ما اعتادت إلا الأخذ عن اللّه ، وما أراد اللّه لعنايته بهذا العبد أن يرزقه الأخذ من طريق فكره ، فيحجبه ذلك عن ربه ، فإنه في كل حال يريد الحق أن يأخذ عنه ما هو فيه من الشؤون ، في كل نفس ، فلا فراغ له ولا نظر لغيره ، وللعاقل إذا استبصر - دليل قد وقع يدل على صحة ما ذكرناه - نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن إبار النخل ففسد ، لأنه لم يكن عن وحي إلهي ، ونزوله يوم بدر على غير ماء فرجع إلى كلام أصحابه ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم ما تعود أن يأخذ العلوم إلا من اللّه ، لا نظر له إلى نفسه في ذلك ، وهو الشخص الأكمل الذي لا أكمل منه ، فما ظنك بمن هو دونه ، وما بقي للعارفين باللّه علاقة بين الفكر وبينهم بطريق الاستفادة ، ولا يسمى الشخص إلهيا إلا أن لا يكون أخذه العلوم إلا عن اللّه من فتوح المكاشفة بالحق . ( ف ح 3 / 138 ، 139 ) . فإذا بايعت القطب نفسه ، انصرف حكم شجريتها إلى منازعة من ينازع أمر اللّه ، فبقي حكم حقيقتها في المخالفين أمر اللّه ، إذ علم اللّه أن حقيقة الخلاف لا تزول ، فإنها شجرة لعينها ، فلو زال لزال عينها ، فلهذا عين اللّه لها مصرفا خاصا يكون فيه سعادتها . ( ف ح 3 / 138 ) .
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر — صفحة القطب الغوث 16 | محمود محمود الغراب