تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
الإلهام والوحي ، وعاد أواخرهم - المعاصرون للنوري والحلّاج - وقد أضاعوا ذلك الصفاء وعجزوا عن مجاراة أصحاب العقول فضاعوا بين عالمي الروح والعقل . والثالث : أنّهم كانوا ألسنة للحق والمثل الأعلى ونماذج للفتوّة والفداء فلم يبق من ذلك إلا ما يشبه الطلل البالي من البيوت العامرة . والرابع : أنهم فقدوا بيانهم الفذّ وعباراتهم المؤثّرة التي استكانت لها الفصحاء وسلّمت لها الخطباء والعقلاء ، فعاد الصوفية أهل تظاهر ودعوى وجهل . والخامس : مما خسره الصوفية : إشاراتهم القلبية التي كانت تقترن بتصفيتهم المستمرة ، ومن هنا وصفوا أنفسهم بعبارة « أهل الإشارات » فقال قائلهم :
إذا أهل العبارة ساءلونا * أجبناهم بأعلام الإشارة
( التعرف ، ص 61 ) . وهكذا ذهبت هذه المناقب بذهاب الأجيال الماضية من الصوفية كما عفّى الزمان على الأمم البائدة ، ولم يبق من بعدهم إلّا قوم مقلّدون ليس لهم أصالة سلفهم ولا قوّتهم وليس فيهم فطنتهم ولا فهمهم ، قد أصابهم العيّ والحصر فغدوا أشبه ما يكونون بالحيوان الأعجم حين يهمهم ولا يفصح . يب - لا يخفى أنّ هذه التهم نابعة من قلب حسّاس ظامئ إلى المزيد من التعمّق والتطوّر في عالم التصوّف ، وإلّا فجيل الحلّاج والنوري كان هو الرائد وهو الذي بقي مع الزمن ، ومصداقا لذلك ذكر الكلاباذي مقطّعة نسبها إلى امرأة من المعجبات بالصوفية قالت فيها :
قوم همومهم باللّه قد علقت * فما لهم همم تسمو إلى أحد
فمطلب القوم مولاهم وسيّدهم * يا حسن مطلبهم للواحد الصمد
ما إنّ تنازعهم دنيا ولا شرف * من المطاعم واللذّات والولد
ولا للبس ثياب فائق أنق * ولا لروح سرور حل في بلد
شرح ديوان الحلاج — صفحة 500 | كامل مصطفى الشيبي