واحلق رأسك كما يحلقون رؤوسهم ، وارم جارتنا - التي تسعى بنا ! - كما يرمون الجمار ، وقبّلني كما يقبّلون الركن ! قال : ففعلت . وقلت في ذلك :
قد كنت أجمعت حجّ البيت أطلبه * والقلب عن حجّ ذاك البيت مشتجر
أرى خلافا ذهاب البيت أطلبه * وههنا بيت جمل ما له سفر
للّه سبعة أطواف أطوف به * كما يطوفون ، سدّ البيت اقتصر
ورمي جاراتها جهدي كرميهم * روس الجمار التي ترمى وتبتدر
فسوف أحلق رأسي مثل حلقهم * حتى يكرّوا ورأسي ماله شعر
وسوف أركض نضوي مثل ركضهم * حتى ( يعودوا ونضوي ما به ) وبر
كانت مناسكهم تقبيلهم حجرا * ومن يقبّلك لا يعرض له الحجر
لو كان أدركها عثمان أو عمر * ما حجّ غيرك عثمان ولا عمر
وذكر الجرّاح أيضا أنّ راشد بن إسحاق ( أبا حكيمة الشاعر ) قال في هذا المعنى :
ولمّا رأيت الحجّ قد آن وقته * وأبصرت بزل العيس بالركب تعسف
رحلت مع العشّاق في طاعة الهوى * وعرّفت من حيث المحبّون عرّفوا
وقد زعموا رمي الحجار فريضة * وتارك مفروض الجمار يعنّف
فهيّأت تفّاحا ثلاثا وأربعا * فنقّش لي بعض وبعض مغلّف
فقمت حيال القصر ثم رميته * فظلّت له أيدي الجواري تلقّف
وإني لأرجو أن تقبّل حجّتي * وما ضمّني للحج سعي وموقف
وزاد الجرّاح على ذلك أن للثروانيّ في هذا المعنى قوله :
فإن أحرموا من ذات عرق وهلّلوا * فموضع إحرامي - وإن لم يكن حرما -
من القائم السقّاء صيّرت حجّتي * إلى الحيرة البيضاء مندفعا قدما
( الورقة ، ص 75 - 77 ) .
وأصل هذا المعنى ، في بساطته الساذجة ، مأخوذ من قول ذي الرمّة ( غيلان بن عقبة بن مسعود ، 77 - 117 ه / 696 - 735 م ) :
تمام الحجّ أن تقف المطايا * على خرقاء واضعة اللّثام