تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
يرون شيئا حتى يروا اللّه معه ، لا على سبيل الاشتراك والممازجة بل ظهر لهم في الأشياء كلها كما ظهر الصانع في مصنوعاته ، إذ كل مصنوع يفتقر إلى صانع ، بل لا وجود لشيء عندهم في نفسه إذ هو معدوم بإمكان عدمه ، وصانعه هو الباقي الذي لا يتغيّر ولا يطرأ عليه العدم . وربّما كان الفطن الذكيّ - إذا علم أنّ هذا معدوم ولم يخطر بباله وجوده من حيث إنّه موجد - وكان أول نظره إلى صانعه ودخل الوجود تحت التبعية ، لأنّه لمّا نظر إلى صفات الوجود الأول ، لاحت له القدرة ، فنظر في صنيع القدرة فوجد منها المصنوع ، وهذا كان ربّما لا يرى شيئا حتى يرى اللّه قبله . فالإشارة إلى الأول بقوله تعالى :
( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي )
صلّى اللّه عليه وسلّم
( أَنْفُسِهِمْ )
، الآية ( فصّلت 41 : 53 ) ، وإلى الثاني بقوله تعالى :
( أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )
؟ ! ( فصّلت 41 : 53 ) ، فالأول صاحب نظر واستدلال ، والثاني صاحب مشاهدة واشتغال . فقس على هذا بقية الأبيات ( المقصود بالشرح البيتان الأولان ) واجعل الأنموذج دليلا على قوله :
إنّ اعتذاري إليك منّي * لفرط عييّ وفرط غييّ
( انظر الفقرة ج ) يشير إلى معنى البيت الأول في سير ( سرّ ) المعرفة والإذعان للربوبية والدخول تحت ذلّ العبودية ، يريد : كيف أعتذر من شيء فعلته ومفاتيح الغيب بيدك ؟ وهو متصل بمعنى قولنا : إن المصنوع لا وجود له في نفسه بنفسه ، وإن غيره هو الموجود . فكأنّ الإشارة إلى أنّك الموجود الحقيقي ولا وجود لي ، وأنّ فعلك هو الجاري عليّ قهرا وجبرا ولا فعل باعتذاري ، إذ ( هو ) فرط ( لفرط ) عيّي وغيّي . إذن أثبت لنفسي النية وأجعل لها ( له تعالى ) المشيئة ، وهذا محض الدين واليقين . فيترتب عليه أنك لست غيري ، إذ ليس في الوجود غيرك حتى تثبت له رتبة الغيرية . و - عقب أبو العلاء المعرّي على هذه المقطعة من الناحية الفنّية بقوله : « فلا بأس بنظمها في القوّة ، ولكنّ قوله « إليّ » عاهة في الأبيات : إن قيّد ( بمعنى سكّن القافية ) فالتقييد لمثل هذا الوزن لا يجوز عند بعض