التحقيق :
أ - هذا لغز جديد يدور حول كلمة « اتّحاد » فيما يبدو ، وبيانه أن عبادة هذا الصوفي للّه تتمثل في حال بعد الفناء ينتهي بالاتحاد باللّه أو الوحدة بينه تعالى وبينه . ومدار اللغز من الناحية اللفظية أنّ الاتحاد ، الذي هو مدار عبادة الحلّاج للّه - يتكون من ستة أحرف هي « أ ، ت ، ت ، ح ، ا ، د » من بينها حرفان معجومان هما التاء مكررة ، فأحدهما أصلي هي التاء الثانية « وآخر شكله » أي مثله وهي التاء الأولى . منسوب إلى إيمان الحلّاج : وهي الوحدة أو التوحيد المطلق ، وهكذا إذا بدا رأس الحروف - وهو الألف - وأمام الحروف الباقية حرف التاء الذي يقوم مقام الواو من الأصل « إوتحاد » التي صارت « اتّحاد » بالإبدال تطبيقا لقواعد الصرف ، عندئذ صار الصوفي في حكم موسى على الطور لما تجلّى له ربه فخرّ صعقا أوفني عن نفسه لاتّحاده باللّه وعجز ناسوته عن استجلاء سبحات الجلال .
وهذه المقطعة تذكّر ، في شكلها المؤوّل الذي بيّناه ، بالمقطعة السابقة التي مرّت بنا في حرف الراء ونصها :
عقد النبوة مصباح من النور * معلّق الوحي في مشكاة تأمور
باللّه ينفخ نفخ الروح في خلدي * وخاطري نفخ إسرافيل في الصور
إذا تجلّى لطورى أن يكلّمني * رأيت في غيبتي موسى على الطور
ب - في البيت الثاني : جاءت « فعبادتي » في الأصل على « عبارتي » وما أثبتناه أنسب للسياق ، وإن كانت « عبارتي » تصحّ أيضا باعتبارها بداية اللغز .
ج - في المناسبة التي دعت إلى ترديد هذه القطعة جاء في « أخبار الحلّاج » أن « رجلا من الأكابر ، يسمى ابن هارون المدائني ، استحضر الحلّاج وجماعة من مشايخ بغداد ليناظروه . فلما اجتمعوا تفرّس الحسين بن منصور فيهم النكارة ، فأنشأ يقول » ( الأبيات ) « والنكارة الدهاء وكذلك النكر بالضم ، وقد نكر الأمر أي صعب واشتد » كما في الصحاح والقاموس ، ومنه حديث معاوية : « إني لأكره النكارة في الرجل ، بمعنى الدهاء كما في النهاية