قوله :
« فإذا كان مخلوق يجد بمخلوق حتى يقول مثل ذلك ، فما ظنّك بما وراء ذلك ؟ » ( اللمع ، ص 462 ) . وقال في موضع آخر ، قبل هذا : « وهذه مخاطبة مخلوق لمخلوق في هواه ، فكيف بمن ادّعى محبة من هو أقرب إليه من حبل الوريد ؟ » ( ص 438 ) ، وعقب ابن عربي على البيت الأول من هذه القطعة بقوله : « غاية الحبّ الروحاني في الصور الطبيعية » وهو معنى ما رمى إليه السرّاج من قبل ( انظر الفتوحات المكية ، مصر 1293 ، 2 : 513 في الحب الطبيعي ) .
ويبدو أنّ هذه القطعة حسّية حقّا وأن المعنى الحلولي طارئ عليها بنقلها من جانبها الطبيعي المادي إلى الصوفي النظري المجرّد ، شأنها في ذلك شأن قطعة محمد بن صالح بن عبد اللّه العلوي الآتية : لهذا فإنّ ما فهمه الباحثون من حلولية الحلّاج تعلّقا بهذه القطعة وتوجيها لها بأنّ الشاعر فيها « يصف روحه والروح الإلهي في حالة مزج تام » ، كالذي قاله أستاذنا المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي في كتابه : « التصوف الثورة الروحية في الإسلام » ( مصر 1963 ، ص 83 ) ، إنما هو نصف فهم ، وينبغي أن يتمّ بكون هذا الشاهد منقولا على علّاته إلى موضوع لا ينطبق عليه انطباقا تامّا .
وأبسط ما يغسل هذه التهمة أنّ الحلّاج نفسه كان يلحّ على « رفع الإنّية دون الاثنينية » - كما مرّ من تعبير نصير الدين الطوسي - وكان يقول : « فارفع بفضلك إنّي من البين » وكان فوق ذلك يقول : « ما انفصلت البشرية عنه ولا اتّصلت به » ( طبقات الصوفية للسلمي ، ص 311 ، وانظر تعليق ابن عربي على « الذهاب » في القطعة التي أوّلها :
قلوب العارفين لها ذهاب * ترى ما لا يراه الناظرونا
ومن المعروف أيضا أن الحلّاج كان يعرّف التوحيد بأنّه : « إفراد القدم عن الحدث » وهي عبارة شرحها الأنصاري بقوله : « التوحيد نفي الحدث وإقامة الأزل وأنه : تنزيه اللّه - عزّ وجلّ - عن الحدث » ( طبقات الصوفية للأنصاري ، ص 172 ) .