فحال يبيد السرّ عن كنه وصفه * ويحضره للوجد في حال حائر ،
وحال به زمّت ذرى السر فانثنت * إلى منظر أفناه عن كلّ ناظر
وهذا التصوف الذي يدعو إليه الحلّاج يرفض ممارسة الطقوس الصوفية التي يقصد بها ترقيق الأحاسيس وإثارة العواطف في مجالس الأذكار التي تستعين بالشعر والغناء والرقص والإيحاء النفسي لتحمل الصوفي بعيدا عن وجوده المادي وتمرّنه على التأمل والتلقي من العالم الروحي بإلغاء الإحساس بالوجود الجزئي .
وفي رفض نتائج الأذكار من مواجيد وشطحات يقول الحلّاج :
أنت المولّه لي لا الذكر ولّهني * حاشا لقلبي أن يعلق به ذكري
الذكر واسطة تخفيك عن نظري * إذا توشّحه من خاطري فكري
وفي هذا الموقف يذكرنا الحلّاج بأن في المعارف والأسرار والظواهر أعماقا لا يعرفها الناس ولا يألفونها ، وإنما ينبغي أن يراضوا عليها ويعوّدوها . ومن هنا ينبغي أن نتطلب هذا العمق الجديد ؛ فالنور له غاية في النورانية لم نتوصل إليها ، والسر يفرض علينا أن نتطلب سره الدفين وهذا الكون كله يدعونا إلى التعمق فيه بغية التوصل إلى العامل الذي يحرّكه والقانون الذي يسيطر عليه . وهذه هي الفلسفة في حرفيتها ، وفي التعبير عنها بما وراء الطبيعة في هذا المجال بالذات .
وفي هذا يقول الحلّاج :
لأنوار نور النّور في الخلق أنوار * وللسرّ في سرّ المسرّين أسرار
وللكون في الأكوان كون مكوّن * يكنّ له قلبي ويهدي ويختار
تأمّل بعين العقل ما أنا واصف * فللعقل أسماع وعاة وأبصار
لكن الحلّاج لا يريد لنا أن نستعمل عقلنا في تطلّب المعرفة وإنما يريد لنا أن نستعمله فقط في اختبار النتائج التي نستمدها من الاستيحاء والاستلهام وإلا فهو يقول بصراحة :
من رامه بالعقل مسترشدا * أسرحه في حيرة يلهو
قد شاب بالتدليس أسراره * يقول من حيرته : هل هو ؟