تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
جحودي لك تقديس * وظنيّ فيك تهويس
وقد حيّرني حبّ * وطرف فيه تقويس
وقد دلّ دليل الحبّ * أنّ القرب تلبيس
وما آدم إلّاك ، * ومن في البين إبليس
كل ذلك تحت عامل العشق الذي يوحّد روحي المحب والمحبوب ويجعلهما وجودا واحدا جميعا . في هذه المرحلة يتنبّه الحلّاج إلى أن هذه الحال من الوحدة الجمعية مع المثل الأعلى تعرض للإنسان في لمحات وإشراقات ولمع وأنها في الواقع لا تدوم طويلا ، من هنا فالوحدة الحقيقية لا تتحقق . فإذا كان الأمر كذلك فهل هذه هي وحدة حقا أم إحساس بها يملأ النفس حتى ليبدو الأمر كالوحدة الحقيقية ؟ لقد التفت الحلّاج إلى وجود عامل فعّال يعيد هذا الإحساس المجرد إلى الواقع المادي ويربطه من جديد بقوى الجسد وأنظمته وقوانينه . هذا العامل الذي يقع في « البين » هو الإنّية الإنسانية التي تعني الشعور بالذات الجزئية وتحدّد هذا الأنا وذاك الأنا وتسبغ عليهما استقلالهما من ناحية وتمنعهما من الاتحاد المستمر من ناحية ثانية . والحلّاج يذمّ هذه الإنّية البينية ويسميها إبليس ويدعو اللّه أن يطيل هذا الإحساس بالوجود ، الذي أطلق عليه الصوفية مصطلح وحدة الشهود ، وفي ذلك يقول :
أأنت أم أنا هذا في إلهين ؟ * حاشاك حاشاك من إثبات اثنين
هويّة لك في لائيّتي أبدا * كلّي على الكلّ تلبيس بوجهين
فأين ذاتك عني حيث كنت أرى ؟ * فقد تبيّن ذاتي حيث لا أيني
وأين وجهك مقصودا بناظرتي ؟ * في باطن القلب أم في ناظر العين ؟
بيني وبينك إنّيّ ينازعني * فارفع بلطفك ، إنّيّ من البين
فإذا بلغ الإنسان من النقاء الروحي هذا المبلغ ساغ له أن يلتزم بالجوهر ويترك العرض باعتباره مصدرا للمعرفة ومثابة للتوجيه ومجالا للأسوة والقدوة . وفي هذه اللحظات التي يفقد فيها الإنسان إحساسه بوجوده الجزئي