تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
فكيف والكيف معروف بظاهره ؟ * فالغيب باطنه للذات بالذات
تاه الخلائق في عمياء مظلمة * قصدا ولم يعرفوا غير الإشارات
بالظنّ والوهم نحو الحق مطلبهم * نحو السماء يناجون السماوات
والربّ بينهم في كل منقلب * محلّ حالاتهم في كلّ ساعات
وما خلوا منه طرف العين لو علموا * وما خلا منهم في كلّ أوقات
وفي ما يتصل بالصفات الإلهية ، وبخاصة صفات الذات ، لاحظ الحلّاج أن الناس - في عبادتهم للّه تعالى خوفا وطمعا فقط - يهدرون أسمى رابطة يمكن أن تجمع بين الخالق والمخلوق ألا وهي الحب . وإذا كان اللّه قد خلق ليعبدوه فإن هذا يعني أنه خلقهم ليعشقوه وهذا هو السبب في أنه خلق آدم على صورته . ولو لم تكن صورة آدم جميلة ومحبوبة لما ساغ للإنسان أن يتلبس بها بفعل إلهيّ مباشر هو صفة من صفات اللّه . فكأن آدم هو الصورة المادية للّه : الصورة التي تنطوي ، تحت غلافها المادي الملموس المناسب للبيئة المحيطة بها ، على ذات اللّه بجواهرها وصفاتها وأسمائها . فكأن ههنا وحدة تجمع الخالق والمخلوق أو المحب والمحبوب ، ومتى ما اتصلا تحقق للوجود كماله وذهب عنه انقسامه وغدا العشق القانون الذي يسيّر دولاب العالم كله . لهذا كله أراد الحلّاج للعشق أن يكون هذا القانون فصبّ هذه الفكرة - التي ظهرت في البصرة ، أولا معاصرة للأفكار الأخرى ومنها الزندقة - في قالب عقلي كلامي ضمّنها الأفكار التي عبرت عنها رابعة العدوية وعامر بن عبد اللّه بن عبد قيس وعتبة للغلام وحبيب العجمي كما بيّنا ذلك في كتابنا « الصلة بين التصوف والتشيع » . وانتهى الأمر بأن عدّ الحلّاج العشق صفة من صفات اللّه تبدأ منه لتنتهي بالعباد . ومن الحب النازل والصاعد يتسق العالم وينتظم ويسعد وتزول الشرور وترتفع مطالب البدن ومطامح الأفراد والجماعات ورؤى القوة والتسلط . وفي الكشف عن كون العشق صفة إلهية قديمة قال الحلّاج :
العشق من أزل الآزال من قدم * فيه به منه يبدو فيه إبداء
شرح ديوان الحلاج — صفحة 157 | كامل مصطفى الشيبي