كيف تكون البداية إذن ؟ تطّلب الفناء والحرص عليه .
هنا ينادي الحلّاج :
ركوب الحقيقة للحقّ حقّ * ومعنى العبارة فيه يدقّ
ركبت الوجود بفقد الوجو * د وقلبي على قسوة لا يرقّ
ثم يقول :
حويت بكلّي كلّ كلّك ، يا قدسي ، * تكاشفني حتى كأنّك في نفسي
أقلّب قلبي في سواك فلا أرى * سوى وحشتي فيه وأنت به أنسي
فها أنا في حبس الحياة ممتّع * من الأنس فاقبضني إليك من الحبس
وبتطبيق هذا البرنامج ، بوصفه مقاما من مقامات الطريقة الحلّاجية - إن صح التعبير ، تنمو في أعماق النفس الإنسانية صفات الذات الإلهية المخزونة في أعماقهم منذ بدء الخليقة ويتشبّع بها الكيان الإنساني تشبّعا يتكرر معه شحن آدم بالأسماء كلها ، وولادة المسيح كمثل ولادة آدم وتصرفه في الأعيان المادية من خلال روح اللّه المنفوخة فيه ، ونطق محمد بآيات القرآن المعجزة للطاقة البشرية لأنه في الحقيقة
( ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى )
. وفي تجلي اللّه أو طاقاته أو مشيئته في الإنسان يقول الحلّاج :
سبحان من أظهر ناسوته * سرّ سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا * في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه * كلحظة الحاجب بالحاجب
في هذا الموقف ، إذا نطق الإنسان بروح اللّه ، التي تعمل عملها فيه ، قد يخرج كلامه عن المألوف عند الناس ، ولكنه نطق روحاني إلهي إذ هو صادر عن وجود روحاني إلهي ، وفي هذه الحالة تصبح العبارات دليلا على شيء واحد هو الوجود ، ومن هنا يعدّ النفي والنقض والكفر والإبطال والإنكار وكل هذه المعاني السلبية مصداقا لشيء إيجابي واحد يقول : ( أنا موجود ، اللّه موجود ) ، وقد صب الحلّاج هذا المعنى في قوله :