وتنقطع علائقه بالمجتمع الذي يحيا فيه يجد نفسه وحيدا في ميدان يعبر فيه عن آرائه وأحاسيسه دون اهتمام بحسيب أو رقيب ، وكانت هذه هي حال الحلّاج حين قال :
كفرت بدين اللّه ، والكفر واجب * عليّ وعند المسلمين قبيح
وقال :
إذا بلغ الصّبّ من الهوى * وغاب عن المذكور في سطوة الذكر
يشاهد حقّا حين يشهده الهوى * بأنّ صلاة العاشقين من الكفر
وروي في كلمة « صلاة » أنها جاءت على « كمال » كما في الديوان وشرحه . وقال أخيرا :
ألا أبلغ أحبّائي بأنّي * ركبت البحر وانكسر السفينة
على دين الصليب يكون موتي * ولا البطحا أريد ولا المدينة
ومع جريان هذه المعاني مع التيار الفكري للحلّاج ، تطوّع كثير من شيوخ التصوف لإخراجها من مجال المؤاخذة ، وقد نصصنا على ذلك في مواضعه من تعاليقنا على هذه الأشعار . وبعد كل هذا ، إذا ساغ لأحد أن يسأل الحلّاج : لم فعل ما فعل ؟ ولم قال ما قال ؟ ولم عرّض نفسه لذلك المصير الفاجع ؟ ولم تسبّب في انقسام الناس ؟ لم يكن جوابه إلا قوله :
ما حيلة العبد والأقدار جارية * عليه في كل حال ، أيها الرائي
ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له : * إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء
وإذ ألحّ الفقهاء في محاسبته وتعزيره توجّه إليهم متوسلا وهو يقول :
أقتلوني يا ثقاتي * أنّ في قتلي حياتي
ومماتي في حياتي * وحياتي في مماتي
أنا عندي محو ذاتي * من أجلّ المكرمات
وبقائي في صفاتي * من قبيح السيّئات
وبين الحلّاج وأعدائه يقوم صوفيّ آخر ليترضّى الجميع ويحسّن لهم إخلاصهم لعقيدتهم في مقطّعة جميلة تقول :