العشق لا حدث ، إذ كان هو صفة * من الصفات لمن قتلاه أحياء
صفاته منه فيه غير محدثة * ومحدث الشيء ما مبدأه أشياء
لما بدا البدء أبدى عشقه صفة * فيما بدا فتلألأ فيه لألاء
واللام بالألف المعطوف مؤتلف * كلاهما واحد في السّبق معناء
وفي التفرّق اثنان إذا اجتمعا * بالأفتراق هما عبد ومولاء
كذا الحقائق : نار الشوق ملتهب * عن الحقيقة إن باتوا وإن ناؤوا
ذلّوا بغير اقتدار عندما ولهوا * إن الأعزّا إذا اشتاقوا أذلّاء
وبهذا يبدو أنّ الحلّاج بشّر بدين العشق بديلا من دين الخوف والطمع لعدم جدوى الأخير بشهادة التجارب الطويلة التي مرّت بها الأديان . ويبدو أن الحلّاج كان يستحضر في ذهنه قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
،
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ . فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )
( المائدة 5 : 54 - 55 ) . فكأنه كان يعتقد أن العبادة خوفا وطمعا كانت تجربة وبلاء للناس ؛ فلما فشلوا فيها كان لا بد من فرض دين العشق الذي يغسل شرور الإنسانية ويقطع الطريق على المرتدّين عن جوهر الدين عند التجربة الأولى .
فإذا كان العشق هو فقه الدين الحقيقي وتطبيقه العملي ، كانت النبوة نتيجة لهذا الحب المتبادل ، وكان الوحي - الذي هو هنا نجوى حبيبين - شبيها بمصباح من النور يتلألأ في مشكاة القلب ، وبصور إسرافيل حين يوقظ الأموات للقيامة ، في الوضوح والجلاء . وفي هذه الحالة تتضح الطريقة التي حققت الاتصال بين اللّه تعالى وبين موسى في الجبل بحيث يبدو للصوفي في حالة الإلهام كأنه حي يرزق بلحمه ودمه يتلقى الوصايا العشر .
فإذا كان الحلّاج يرى التديّن القائم على الخوف والطمع ردة ، ووقوف موسى على الجبل شيئا محسوسا متصلا بالرؤية القلبية وقابلا للتطبيق ؛ فما حقيقة الأديان عنده ؟ هنا يتناهى إلينا قوله :