تفكّرت في الأديان جدّ محقق * فألفيتها أصلا له شعب جمّا
فالدين عنده هو التواصل بين المحب والمحبوب أو الرب والمربوب على طريق العشق ، ومن هنا فالدين الحقيقي هو الطموح إلى الوصول إلى المثل الأعلى حبا . أما التفريعات الأخرى التي تنتظم الطاعات والدعاء والنذور والصلوات وأداء الواجبات الشرعية الأخرى فما هي إلا شعب من هذا الأصل : كل شعبة منها تتسمى باسم وتستظل بنبي وتستريح إلى فقه وكلام ومنطق وإيمان . وهذا التحليل حمل الحلّاج على أن يقول بعد :
فلا تطلبن للمرء دينا ، فإنّه * يصدّ عن الأصل الوثيق ، وإنما
يطالبه أصل يعبّر عنده * جميع المعالي والمعاني فيفهما
وإذا كان للدين أصل ينبغي التعلق به فما هو في رأي الحلّاج ؟ إنه التصوف باعتباره جوهر الدين وباعتبار هدفه السمو بالإنسان من النقص إلى الكمال في جانبيه النفسي والمادي ، ويتم هذا بتجاوزه مضايق الإنسانية والشعور بالوجود الجزئي إلى الاندماج في العالم الروحي أو التلقي منه على الأقل بسريان الطابع الروحي إلى الإنسان عن طريق برنامج نفسي واجب التطبيق . وهذا البرنامج يتطلب تعذيب الجسد والتلبس بأخلاق المعذبين من جهة ، وذلك في قول الحلّاج :
الحزن في مهجتي والنار في كبدي * والدمع يشهد لي فاستشهدوا بصري
ويتطلب نظرية معرفة جديدة تقوم على الاستلهام وحده ، كما قال معروف الكرخي من قبل : « التصوف ، الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق » وكما قال أبو يزيد البسطامي : « أخذتم علمكم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت » . وجاء الحلّاج - وكان ذا عقلية أقرب إلى التفلسف وذهن ذكي - فقال في عبارة أدق :
شرط المعارف محو الكلّ منك إذا * بدا المريد بلحظ غير مطلّع
وتكون النتيجة بقول الحلّاج :
إذا سكن الحقّ السريرة ضوعفت * ثلاثة أحوال لأهل البصائر :