تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
الصفات الإلهية . لقد ذكر المتكلمون وبخاصة المعتزلة أن للّه صفاته التي تقرّب إلى أذهان الناس إدراكه وفهم خلقه لهذا العالم كله ، ثم توجّه الكون كله إليه بعبادة يستحقها وهذه الصفات تتمثل في مجموعتين إحداهما تتعلق بذاته مباشرة وهي الحياة والعلم والقدرة ، والمجموعة الأخرى ترتبط بأفعاله تعالى كالخلق والرحمة والجبروت وما إلى ذلك مما يتمثل في الأسماء الإلهية التي ترد في القرآن . ومع أن هذه الفكرة تعدّ عند الحلّاج أدنى كثيرا مما ينبغي اعتناقه من مثول اللّه داخل النفس الإنسانية ، أزعج الحلّاج إنكار الفقهاء للصفات الإلهية وتطلّبهم التدّين الإيماني وحده ومنعوا الخوض في الصفات الإلهية منعا باتا وقالوا في قوله تعالى :
« الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى »
بلسان الإمام مالك بن أنس : « الاستواء منه معقول ، والكيف منه مجهول ، والسؤال عنه بدعة ، والإيمان به واجب » ( التمسه في تعاليقنا على هذا القطعة ) . وهذا في رأي مالك ومن معه ، يعني أن الآية الماضية يجب أن تؤخذ على لفظها وأن غاية ما يسوّغ للمسلم أن يستفيده أو يستنبطه منها هو أن الاستواء هيئة يدركها العقل لكن كيفية الاستواء ، في حال توجيهها إلى الذات الإلهية ، مجهولة لا ينبغي الخوض فيها أصلا لأن ذلك يتسلسل في النهاية إلى هاوية الكفر . والحلّاج هنا ، ينقض كون الكيفية مجهولة بأن لها صورتين إحداهما ظاهرية هي المعنى الذي تتداوله المعاجم اللغوية أولا ، والمعنى الذي يذكره المجسّمة من أن اللّه قد نصّ على أعضاء له في القرآن ، ثانيا ؛ والإيمان الذي يأمر به الفقهاء يقتضي أخذ المعنى كله على علّاته ومنه توجههم بالدعاء نحو السماء وكأنّ فيها مقرا للّه فعلا ؛ ثالثا : أما المعنى الحقيقي للاستواء على العرش فهو مثول اللّه تعالى في قلب الإنسان ورؤيته بعين الإنسان وتحركه بقدم من استطاع إزالة العوائق التي تحول دون تجلّي اللّه فيه كما تجلّى في الشجرة التي خاطبت موسى عليه السلام . وهذا تفسير قول الحلّاج :
سرّ السرائر مطويّ بإثبات * من جانب الأفق مطويّ بطيّات