تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وتنتهي هذه السلسلة من الأفكار إلى تقرير الحلّاج أن ما يتراءى للناس أنه جحود للّه إنما هو عين التقديس وجوهر العبادة ، وأن ما قاله لم يكن إلا الجوهر في مقابل الأعراض التي علقت بها الأديان والمتدينون حرصا على وحدة الصف وكسبا لأكبر عدد من الناس في نطاق الآراء الجماهيرية ( بلغة العصر ) ومستوى العقلية الشعبية . 5 - ب . وعودا إلى التمثيل والمحاضرة نذكر أن الحلّاج ، بوصفه صوفيّا متفلسفا ، انطلق منطلق الفلاسفة من البدء بالفلسفة الأولى التي تعني التمهيد للآراء ، ذات الطابع المتديّن ، بالبحث في الذات الإلهية وإثبات وجودها قبل كل شيء لتكون هذه قاعدة يقوم عليها البناء الفلسفي كلّه . ويرى الحلّاج أن الدليل على وجود اللّه لا يقوم على القاعدة الفلسفية المتعارف عليها من أنّ أول دليل على وجود الباري يقوم على ملاحظة آثاره ومخلوقاته وما فيها من نظام يؤدي إلى التعرف عليه ، بل يتبنى العبارة التي تقول : « فبه أستدلّ عليه » . وهذا الاستدلال على اللّه به يقوم في داخل النفس على صورة شعور غلّاب لا يتسرب إليه الزيف أو الشك بحيث يصبح الحديث النبوي أو عبارة علي بن أبي طالب « من عرف نفسه فقد عرف ربه » مثلا يضرب لتوضيح هذه الفكرة التي تقضي بأن وحدة الشهود ، وهو الإحساس الداخلي الطاغي ، بوجود اللّه دليل إيماني على وجوده تعالى وكونه في أعماق النفس الإنسانية . وقال الحلّاج من مقطعة :
لا يعرف الحقّ إلا من يعرّفه * لا يعرف القدميّ المحدث الفاني
لا يستدلّ على الباري بصنعته * رأيتم حدثا ينبي عن أزمان ؟ !
كان الدليل له منه إليه به * من شاهد الحق في تنزيل فرقان
كان الدليل له منه به وله * حقّا وجدناه بل علما بتبيان
هذا وجودي وتصريحي ومعتقدي * هذا توحّد توحيدي وإيماني
فإذا ثبت أن اللّه موجود وماثل في كل إنسان ، ساغ للحلّاج أن ينتقل إلى موضوع آخر من موضوعات الفلسفة الأولى - أو علم الكلام - هو
شرح ديوان الحلاج — صفحة 155 | كامل مصطفى الشيبي