فمعجوم يشاكل وأجديه * ومتروك يصدّقه الأنام
وباقي الحرف مرموز معمّى * فلا سفر هناك ولا مقام
وفي الثالث يقول :
إرجع إلى اللّه ، إن الغاية اللّه * فلا إله - إذا بالغت - إلا هو
وإنه لمع الخلق الذين لهم * في الميم والعين والتقديس معناه
معناه في شفتي من بات منعقدا * عن التهجّي إلى خلق له فاهوا
فإن تشكّ فدبّر قول صاحبكم * حتى يقول بنفي الشكّ : هذا هو
فالميم يفتح أعلاه وأسفله * والعين يفتح أقصاه وأدناه
5 - أ . أما شعر الحلّاج الثقافي فيصلح أن يكون صورة مصغّرة لآرائه العقلية والصوفية ويمكن ترتيبه ترتيبا يجعل من مقطعاته نماذج تمثيلية لأغلب ما نادى به . بل يمكن منه الانطلاق إلى بناء صورة متكاملة لفلسفة الحلّاج على شكل جديد لم يلمّ به الباحثون من قبل .
وقد عرض الحلّاج في أشعاره للكلام على الذات الإلهية وقدّم الحجج على وجود اللّه وألمّ بالصفات الإلهية وأضاف إليها صفة العشق اجتهادا منه .
وبحث النبوّة والدين وكان له رأي في الأديان نعرض له بعد .
وفي مجال التصوف بيّن الحلّاج - شعرا - أسس التصوف الذي يرتضيه وهاجم التصوف التقليدي ثم تكلّم على تفاصيل فكره الصوفي فذكر الأسرار والطريقة والعقل والأقدار وانتهى إلى أن الحياة الحقيقية للإنسان تتمثل في فنائه عن وجوده الإنساني المادي باعتباره من قبيل طبقة معتمة تمنع التجليات الإلهية وأنوارها ، بل ووجودها ، من الظهور للعيان في عالم الإنسان . ويؤكد الحلّاج في أشعاره على إزالة هذه الطبقة بفكرة عرفها الصوفية وصبّوها في قالب تعارفوا عليه بكونه « رفع الإنّية دون الآثنينية » .
وفوق هذا ألحّ الحلّاج - في شعره - على الثورة على التقاليد الدينية وذهب في الشطح مذهبا حمل المعجبين به على تحرّي التأويلات البعيدة له حفاظا عليه من الإفلات من نطاق الإسلام ودخوله في نطاق المؤاخذة الشرعية .