تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
ومثل هذا في الرقة والجمال قول الحلّاج :
يا نسيم الريح ، قولي للرّشا * لم يزدني الورد إلا عطشا
لي حبيب حبّه وسط الحشا * إن يشأ يمشي على خدي مشى
روحه روحي وروحي روحه * إن يشأ شئت وإن شئت يشا
وكأنّ الناس استكثروا على الحلّاج هذه الرقة فخرجوا بهذه المقطعة من الغزل إلى الكيمياء فزعموا أن الرشا والخد والنسيم والريح وما إلى ذلك ما هي إلا ألفاظ رمزية لها مدلول كيمياوي وأن المشي والورد والعطش تفاعلات كيمياوية وضعت بصورة معمّاة لا يفهمها إلا الراسخون في علم الكيمياء ! وأيّا ما كان الأمر فهي من أصلح الشعر للغزل ولإثارة الشوق والحنين في القلوب الحساسة . ومن أجمل الأشعار الحسية التي نظمها الحلّاج قوله في مخلوق في الرابعة عشرة من عمره :
أنت بين الشّغاف والقلب تجري * مثل جري الدموع من أجفاني
وتحلّ الضمير جوف فؤادي * كحلول الأرواح في الأبدان
ليس من ساكن تحرّك إلّا * أنت حرّكته خفيّ المكان
يا هلالا بدا لأربع عشر * فثمان وأربع واثنتان
ومما يتصل بهذا الجانب الحسّي من شعر الحلّاج مقطعة أفرغ فيها قصة إخوانية سخر فيها من صديق كان في يوم من الأيام غلاما جميلا تستجلي صورته العيون ثم عمل فيه الزمان عمله ، دون أن يحس هو بذلك ، ومن هنا قال الحلّاج له بقصد هدم غروره :
دلال ، يا محمد ، مستعار ؟ * دلال ، بعد أن شاب العذار ؟ !
ملكت - وحرمة الخلوات - قلبا * لعبت به وقرّ به القرار
فلا عين يؤرّقها اشتياق * ولا قلب يقلقله ادّكار
نزلت بمنزل الأعداء مني * وبنت ، فلا تزور ولا تزار
كما ذهب الحمار بأمّ عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمار !
شرح ديوان الحلاج — صفحة 152 | كامل مصطفى الشيبي