السحيقة للوادي صوفيّ بهيّ الطلعة ، يلبس خرقة مدمّاة قرمزية ويدمدم : أنا الحق ، هو هو الحلّاج ، بعث من جديد نقيّ الروح طاهرها . وتقدّم يحتضن التعاليم الجديدة لزره دشت بحرارة . وردّدت جنبات الوادي الهتاف المدوّي .
« فكّر خيرا ، قل خيرا ، اعمل خيرا [ عبارة زره دشت المشهورة ] وذلك هو الطريق الوضّاء نحو الحق » : الحلّاج .
وهذه عبارات غنية عن التعليق والشرح والتحليل .
وأحدث أثر أدبي تناول الحلّاج كتاب لميشال فريد غريّب بعنوان « الحلّاج ، أو وضوء الدم » على صورة « قصة صوفية تاريخية » ظهرت في بيروت سنة 1968 م ، وإن كان تاريخ الطبع غير وارد في الكتاب نفسه ! أما العنوان فقد أشار الكاتب فيه إلى عبارة ذكر أن الحلّاج قالها لمّا صلّى الصلاة الإسلامية التقليدية ، قبل الشروع في إعدامه : ركعتان في العشق لا يصحّ وضوؤهما إلا بالدم . وأما الكتاب نفسه فمحاولة جديدة في كتابة القصة التاريخية لا نجد لها مثيلا بين القصص العربية . ذلك أنها مزيج من التاريخ والقصة والبحث مع غلبة طابع التاريخ والاستعانة بأقل ما يمكن من الهوامش التي تشير إلى المراجع .
والقصة على العموم ، بارعة وتعدّ خطوة إلى الأمام في معالجة سيرة الحلّاج على أسس فنية ، وهي تصلح أن تكون قصة سينمائية ناجحة كما كانت مأساة الحلّاج لصلاح عبد الصبور مسرحية ناجحة .
قبر الحلّاج الرمزي في بغداد :
من الطبيعي أن يكون لرجل كالحلّاج في شهرته ومكانته موضع يقصده المعجبون أو المتخصّصون أو الفضوليّون لشتى الأسباب وإن علم الجميع بأنه لم يدفن قطّ وإنّما تنفّسه الهواء وشربه لمّا ذرّي رماده في سماء بغداد وألقيت بقاياه في أمواج دجلة . ولم يكن هذا بدعا ، فقد حاول الزيدية أن يرفعوا مزارا لإمامهم الشهيد والإباضية مثوى لعبد الرحمن بن ملجم مع كونهما قد صنع بهما قبل الحلّاج ما صنع به . بل إن الذهبي ينقل عن أحد رواته أن قبر علي بن أبي