المحجوب ، المصنف الفارسي الذي ألّفه الهجويري ( ت 465 ه ) ورسمه صلاح عبد الصبور على صورة الهجويري ! ولا شك في قيمة هذه المسرحية الشعرية وإن كانت حقائقها معبوثا بها ، كتشويه أخلاق أبي عمر القاضي المالكي الذي قاد استجواب الحلّاج في المحاكمة ، وكإجلاس الشاعر قاضيا شافعيا أثناء المحاكمة مع علمه بأن الشافعية لم يشاركوا فيها أصلا . وقد أحسن أنيس منصور القول في تعليق له على هذه المسرحية في إشارته إلى دور صلاح عبد الصبور في هذه المسرحية تمثّل في « أن يكون قريبا من الحلّاج وروحه وأن يقوده وراءه في ضلالات المجتمع وأن يجعله مواطنا شريفا . . وأن ما قاله الحلّاج في غيبوبته جاء واعيا يتردد عبر القرون الوسطى والحديثة » « 1 » ، وهو تصوير يسلك الغاية من هذه المسرحية في سلك الريادة الأولى للزهاوي و « الزعامة » التي نهض بها أدونيس .
وفي سنة 1966 م أو في قيس لفته مراد ، الشاعر العراقي المعاصر ، على الغاية بإصداره مجموعة شعرية كاملة - وإن كانت صغيرة - بعنوان « أغاني الحلّاج » استوحى معانيها من الاضطهاد والعذاب والصلب والنار والطين وما إلى ذلك . وقد قال الشاعر « . . إنّما أحببت في الرجل أنّه صورة الإنسان المتفرّد عن طبيعة زمنه وعن طبيعة أهله ، وأحببت في الرجل أنه لحظة قصيرة ذكيّة ولدت في ثنايا قرن غبي بليد . . .
قد يكون أسطورة اختلط فيها الخيال أكثر مما صنعها الواقع ، ولكنها - برغم ذلك - أسطورة حقيقية . فالخيال طموح الكائن المحدود إلى الوجود الأعظم ، إلى المصدر البعيد وراء انفعالات الرغبة - وفي أيام كل فرد منا لحظات قصيرة هي لحظات الاكتشاف : اكتشاف الإنسان لعلاقته باللّه » « 2 » .
ومع أن المجال قد ساغ فيه أن نذكر نماذج من هذه الأشعار إلا أننا نصرّ على أن نؤجل ذلك إلى كتاب يتضمن هذه الإشارات الحديثة مع
هامش
( 1 ) جريدة الأخبار ( القاهرية ) عدد 19 / 11 / 1967 م .
( 2 ) أغاني الحلّاج ، ص 5 - 6 .