تسبيح كل ما هو صامت في عرف الناس ، فأسمع تسبيح الشجر والحجر والحيوانات .
ونقول لا نستغرب شرعا أن تسبح هذه الصوامت اللّه عزّ وجلّ ، لأن هذا منصوص عليه في القرآن الكريم بقوله عزّ وجلّ :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء :
44 ] . ونستأنس هنا بنص للجيلي يشير فيه إلى تسبيح كل شيء في الوجود ، فيقول :
« . . . كل شيء في الوجود يسبّح الحق من حيث كل اسم ؛ فتسبيح الموجودات للّه من حيث اسمه الحي هو عين وجودها بحياته ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه العليم هو دخولها تحت علمه ؛ وقولها له « يا عالم » ، هي كونها أعطته العلم من نفسها بأن حكم عليها أنها كذا وكذا ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه القدير هو دخولها تحت قدرته ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه المريد هو تخصيصها بإرادته على ما هي عليه ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه السميع هو إسماعها له إياه كلامها وهو ما تستحقه حقائقها بطريق الحال ، لكنها فيما بينها وبين اللّه بطريق المقال ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه البصير هي تعينها تحت بصره بما تستحقه ؛ وتسبيحها له من حيث اسمه المتكلم هي كونها موجودة عن كلمته ؛ وقس على ذلك باقي الأسماء » . وهكذا كل مخلوق جامد صامت يسبّح ، وتسبيحه هو عين تكوينه وانفعاله للاسم الإلهي ، وهو ما يسميه الجيلي التسبيح بلسان الحال ، ولكن لسان الحال هذا هو لسان مقال فيما بين المسبّح الصامت وبين اللّه ، يسمعه من كشف اللّه عنه . . . أما قول الجيلي في الشطر الثاني ، « وإني لأسرار الصدور أطالع » فهذا يعني أنّ اللّه عزّ وجلّ كشف له عما تخفي الصدور ، وذلك لأن من كان الحق عزّ وجلّ سمعه فهو يعلم السر وأخفى ، ويعلم ما تخفي الصدور .
( 498 ) وأعلم ما قد كان في زمن مضى * وحالا ، وأدري ما أراه مضارع
المعنى :
يقول الجيلي ؛ « وأعلم ما قد كان في زمن مضى حالا » ، أي وأعلم الماضي وأعلم الحاضر . ويقول ؛ « وأدري ما أراه مضارع » ، أي وأرى المستقبل ، ولا يكفي أنني أراه بل أدريه . ونقف هنا عند قوله « وأدري ما أراه » في المستقبل ، لنقول إنّ الإنسان قد يكشف له في رؤيا أو في منام عما سيحدث في المستقبل ، ولكن الرؤية هنا حيث أنها لم تقع بعد فهي معرّضة للتبديل ومعرّضة للتفسير والتأويل ، لذلك أتى الجيلي بعبارة « وأدري ما أراه » ، ليخبرنا بأنه يعلم تأويل ما يرى في المستقبل .