( 494 ) وإنّي على تنزيه ربّي لقائل * بأوصافه عنّي ، فحقّي صادع
المفردات :
حقي : هويتي الحقيقة . صادع : ظاهر ، بيّن .
المعنى :
بعد أن فصّل الجيلي ما يتصف به ، وقد تجلت على ذاته ذات الحق سبحانه وتعالى بصفة الحياة ، يقف منبها على قوله بالتنزيه . فالعبد ، وإن تجلت على ذاته ذات الحق بصفة من صفاته تعالى ، إلا أن صفات الحق سبحانه منزهة عن أوصاف العبد ، لذلك يقول الجيلي : « وإني على تنزيه ربي - لقائل - بأوصافه عني » ، أي وإني أقول بتنزيه أوصاف ربي عن أوصافي . أما قوله : « فحقي صادع » ، فتعني أن حقيقتي ظاهرة وبيّنة ؛ ويريد الجيلي هنا أن يقول ، إنه وعلى الرغم من قوله بالتنزيه ، فتحقق الصفات الإلهية في حقيقة ظاهر وبيّن .
( 495 ) أنا الحقّ والتحقيق جامع خلقه * أنا الذّات والوصف الّذي هو تابع
المعنى :
يكرر الجيلي هنا مقولة الحلاج « أنا الحق » ، هذه المقولة التي تسببت بهجوم العدوّ وبحرج الصديق . ونحن في صدد إعداد بحث عن الحلّاج وكلمته المشهورة « أنا الحق » ، ولنا في تفسيرها أقوال دافعة لكل شك وريبة ، لذلك لن نستبق الأمور هنا ونفصّل معاني مقولة « أنا الحق » . بل نكتفي بأن نقول : إن الصوفي عندما يقول « أنا الحق » ، فهو يكون قد وصل إلى مقام « أنا الحق » . ومقام « أنا الحق » لا يعني أبدا أن الإنسان أصبح هو اللّه ، بل كلمة « حق » هنا تعني الثبات . فالعبد يظل يتقلب في أطوار المقامات حتى يصل إلى مقام لا ينتقل عنه ويثبت فيه ، فإذا وصل إلى هذا الثبات عبّر عنه بقوله : أنا الحق ، أي أنا الثابت الذي لا يتغير ، والذي لا يلحقه - بعد الآن - باطل من أي وجه من وجوهه . فالجيلي هنا أصبح حقا ثابتا في تحققه بجميع حقائق المخلوقات . وأصبح له ذات وهوية عندما تحلّى بالأوصاف الإلهية ، وهويته هي ذات ثابتة لا تتغير ، ويلحقها كل هذه الأوصاف التي يذكرها في الأبيات السابقة واللاحقة .