تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
( 489 ) وعن كلّ تشبيه فإنّي منزّه ، * وفي كلّ تنزيه فإنّي مضارع

المفردات :

مضارع : مشابه أو مشبّه .

المعنى :

يتابع الجيلي تفصيل صفة الحياة فيه ؛ فبعد أن طلب من السامع أن يصفه بكل أوصاف الوجود ، وأن يشهد كل جمال كوني من حسنه نابع ، يحذره هنا من أن ينحجب بالتشبيه أو التنزيه ، فيقول له : « ومن كل تشبيه فإني منزه » ، أي نزّهني عندما يصلك خبر يفيد التشبيه . ومن جهة ثانية ، يقول له : « وفي كل تنزيه ، فإني مضارع » ، أي وشبهني في التنزيه . فالجيلي يطلب من القارئ أو السامع أن لا ينسى حقه من التشبيه حين ينزّهه ، ولا ينسى حقّه من التنزيه حين يشبهّه . . . وهذا يطرح للأذهان علم الكلام الصوفي ، الذي لم يمش مع التنزيه الإلهي إلى حد التعطيل الصفاتي ، ولم يمش مع التشبيه الإلهي إلى حد التجسيم . بل نزّه اللّه تعالى في كل مشهد وفي كل تجل تشبيهي ، ولم ينس التشبيه الإلهي في كل مشهد تنزيهي . فالحقيقة - كما يراها الصوفي - تشبيه في تنزيه ، وتنزيه في تشبيه . ونحن لا نعرف اللّه عزّ وجلّ إلا إذا نزّهناه حين تشبيهنا له ، وشبّهناه حين تنزيهنا له . وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجيلي هنا ، وأسوة برجال الصوفية ، يرى أن الذات الإلهية منزّهة عن المعرفة البشرية ؛ وأن كل تنزيه نقاربه فإنما هو محدث مثلنا ، واللّه عزّ وجلّ منزّه عن تنزيهنا له . يقول الجيلي في [ الإنسان الكامل ج 1 ص 32 ] : « التنزيه عبارة عن انفراد القديم بأوصافه وأسمائه وذاته ، كما يستحقه من نفسه لنفسه ، بطريق الأصالة والتعالي . . . فليس بأيدينا من التنزيه إلا التنزيه المحدث ، والتحق به [ تعالى ] التنزيه القديم » . . . ويقول أيضا في التشبيه : « التشبيه الإلهي عبارة عن صورة الجمال ، لأن الجمال الإلهي له معان وهي الأسماء والأوصاف الإلهية ، وله صورة وهي تجليات تلك المعاني فيما يقع عليه من المحسوس أو المعقول . فالمحسوس كما في قوله : رأيت ربّي في صورة شاب أمرد ، والمعقول كقوله تعالى : « أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء » . . . ولا شك أن اللّه تعالى في ظهوره بصورة جماله باق على ما استحقه من تنزيه ، فكما أعطيت [ الخطاب هنا للقارئ ] الجناب الإلهيّ حقّه من التنزيه ، فكذلك أعطه من