تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
التشبيه الإلهي حقّه » . . . هكذا إذن الأمر عند الصوفية ، تشبيه في تنزيه ، وتنزيه في تشبيه .
( 490 ) وجسمي للأرواح روح مدبّر * وفي ذرّة منه الأنام جوامع

المعنى :

يتابع الجيلي بيان تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول : « وجسمي للأرواح روح مدبر » ، وقبل أن نشرح هذا القول ، نتوقف عند رؤية الجيلي للعلاقة بين الروح والبدن في الإنسان . فالبدن أو الجسم هو صورة الإنسان ، والروح هو معناه . للإنسان بدن هو صورته ، وروح هي معناه . فإذا كان الأغلب على الإنسان مقتضيات البدن والجسم أي مقتضيات البشرية والشهوانية فإن روحه تكتسب الرسوب المعدني ، وتتقيد في البدن سجينة العادة والطبيعة . أما إذا كان الأغلب على الإنسان الأمور الروحانية ، من دوام الفكر الصحيح وإقلال الطعام والكلام ، فإن بدنه يكتسب اللطف الروحي ، فيخطو على الماء ويطير في الهواء [ را . الإنسان الكامل ، 2 / 9 ] . ولسنا هنا في معرض بحث ترقّي الإنسان في مقاماته ، ولكن لنقول : إن العلاقة بين البدن وبين الروح هي علاقة حميمة . فالإنسان مهما ترقّى في الروحية لا يفارق بدنه ، بل بدنه يتابعه في التنور والروحانية ؛ بكلام آخر يترقى الإنسان ببدنه وبروحه معا من بدايات البشرية إلى أعلى المراتب الروحية . وهذا الاتحاد في الإنسان بين بدنه وروحه يفسر لنا لماذا عندما يصل الإنسان إلى مقام قرب النوافل ، ويصبح الحق سمعه وبصره ويده ولسانه ، فإنه إذا مسح بيده أبرأ الأكمه والأبرص ، وكذا في بقية قواه وأوداتها . وعندما يقول الجيلي هنا ؛ بأن جسمه هو الروح المدبر لأرواح الوجود ، فهو يريد أن يقول إن جسمه الذي هو صورته قد أصبح هو المعنى والروح التي تمد أرواح الوجود بالحياة والرعاية والمراعاة والتدبير ؛ بكلام آخر إن جسمه هو روح أرواح الوجود . . . وقوله : « وفي ذرة منه الأنام جوامع » تعني أن كل الخلق والمخلوقات ، على كثرتهم ، وعلى تعدادهم ، تسعهم ذرة من جسم الجيلي وهي تكفيهم حتى يجتمعوا فيها .
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 334 | سعاد الحكيم