وابتداء من هذا البيت سيرتفع الجيلي أمام أعيننا على قاعدة الكمال ، وسيدور متمهلا لنرى أوجه كماله ، ونرى ما حلّاه اللّه به من جميل صفاته . وأولها صفة الحياة ، وقد أشار أيضا إلى تحليه بهذه الحياة في كتابه الإنسان الكامل فقال : « وكنت في هذا التجلي مدة من الزمن أشهد حياة الموجودات فيّ ، وانظر القدر الذي لكل موجود من حياتي ، كل على ما اقتضاه ذاته ، وأنا في ذلك واحد الحياة غير منقسم بالذات ، إلى أن نقلتني يد العناية عن هذا التجلي إلى غيره . . . » فالجيلي إذن ، على ما قال في كتابه الإنسان الكامل ، وعلى ما نفهمه من قوله هنا ، قد حلّاه اللّه الحيّ بصفته ، فشهد بأن كل عجيب في الكون هو من جماله ، وشهد أن كل غريب ظهر وشاع في الوجود فهو من كماله . لذلك قال : « فكل عجيب من جمالي مشاهد ، وكل غريب من كمالي شائع » .
أما سبب استخدام الجيلي للفظ عجيب مع الجمال فذلك لأن الجمال يدهش ، إذ كل جميل إذا طغى جماله أدهش وأعجب . وسبب استخدامه للفظ غريب مع الكمال ، لأن الكمال مستبعد عقلا ومستغرب في عالم يشارك النقص في بناء وجوده .
ويقول الجيلي في [ الإنسان ج 2 ص 12 ] : « لا يدهشك الجمال ولا يرعشك الجلال ، ولا تستبعد استيعاب الكمال » .
( 484 ) وكلّ الورى طرّا مظاهر طلعتي * مراء بها من حسن وجهي لامع
المفردات :
الورى : الخلق ، المخلوقات . طرا : كافة ، جميعا . مراء : ج . مرآة .
المعنى :
يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه فيقول : « وكل الورى طرا مظاهر طلعتي » ، أي ويظهر وجهي ، وأطلع في كل الكائنات . . . فكل الكائنات هي مرآء يلمع بها حسن وجهي .
( 485 ) ظهرت بأوصاف البريّة كلّها * أجل في ذوات الكلّ نوري ساطع
المعنى :
يتابع الجيلي تفصيل تجلّي صفة الحياة فيه ، فيقول ؛ إنه هو الذي يظهر في كل وصف ظهر به مخلوق ، وإن نوره هو الذي يسطع في ذات كلّ مخلوق .