إنسان من نعم القرب والولاية . ونقول ، إن الإنسان عند وصوله إلى ذرى القرب تخلع عليه الصفات الإلهية خلعها ، فنراه يسمع بسمع جديد ويبصر ببصر جديد ، وكذلك في قواه ، يفنى عن قوته السابقة ليبقى بقوة جديدة أعلى وأعظم . وهذا ما غاب على معظم المقلّدين للصوفية ، إذ عندما وجدوا نصا يحدّث عن الفناء والغيبة قلّدوا النصّ وغابوا عن الحضور في عالمهم ، وغاب عنهم أن غيبة الواصل ، وفناءه هي سبب لحضور أعظم ، ولبقاء أعظم وأعلى . فالإنسان الفاني يبقى باللّه عزّ وجلّ ، واللّه عزّ وجلّ حضور كامل شامل لكل مكان وأوان . حضور للجزء والكل ، للغيب والشهود . ويشرح الجيلي في مقدمة الإنسان الكامل التجليات الإلهية على الإنسان الواصل إلى مقام البقاء ، وتتدرج هذه التجليات من تجليات الأفعال إلى تجليات الأسماء وصولا إلى تجليات الصفات .
ففي المرتبة الأولى يتجلى الحق سبحانه وتعالى في أفعاله على العبد ، وهذا التجلي عبارة عن مشهد يرى فيه العبد جريان القدرة الإلهية في الأشياء ، فيشهده سبحانه وتعالى محرّك الأشياء ومسكّنها ، بنفي الفعل عن العبد وإثباته للحق . والعبد في هذا المشهد ، أي في مشهد تجلي الأفعال ، مسلوب الحول والقوة والإرادة .
وبعد تجلي الأفعال يتجلى اللّه تعالى على عبده بالأسماء الإلهية [ الإنسان 1 / 35 - 36 ] ، فإذا تجلّى تعالى على عبد من عبيده في اسم من أسمائه ، اصطلم العبد تحت أنوار ذلك الاسم ؛ فمتى نادى إنسان الحق تعالى بذلك الاسم أجابه العبد لوقوع ذلك الاسم عليه ؛ وكلما تجلى اللّه تعالى في اسم من أسمائه ، كاسمه اللّه أو الرحمن أو الرب ، فإنه يصبح أعز مما قبله في الترتيب ، وذلك لأن تجلي الحق في التفصيل أعز من تجليه في الإجمال ؛ فظهوره لعبده في اسمه الرحمن تفصيل لإجمال ظهر به عليه في اسمه اللّه وهكذا . . . وقد عبّر الجيلي في قصيدته عن تجليات الأسماء ( من البيت 453 وما بعد ، حتى البيت رقم 466 ) ، فلتراجع .
وبعد تجلي الأسماء ينتقل العبد ، إذا قوّاه اللّه ، إلى تجليات الصفات ، ويشرح الجيلي تجلّي الصفات في [ الإنسان الكامل ج 1 ص 37 - 38 ] ، فيرى أنه إذا تجلت ذات الحق سبحانه وتعالى على عبد ، بصفة من صفاتها ، سبح العبد في فلك تلك الصفة إلى أن يبلغ حدّها بطريق الإجمال لا بطريق التفصيل . فإذا سبح العبد في فلك
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 329
مساهمون: سعاد الحكيم
ص٣٢٩