تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦

المعنى :

بعد أن وصل الجيلي إلى مقام الفناء وشهد بقاءه بعد الفناء ، رأى أن لا وجود حقيقي له ولا لأي شيء في الكون . فالخلق متوهم لأن الذات الإلهية تسحق بأحديّتها كل صفة وكل أثر لصفة . . . فآثار الصفات التي هي الأوصاف قد فنيت في الصفات ، والصفات فنيت في الذات ؛ وما هي إلا الذات طاحت وعمت كل شيء . . . وقد دافع الجيلي عن فكرته بالصور التمثيلية السابقة ، وهنا يعود الجيلي لتصوير بقائه بعد الفناء ، وتصوير هوية هذا البقاء ، الذي هو بقاء كل واصل إلى قرب الولاية ، فيقول : « فإني لما أن تبدّت هويتي خفيت ، وإن تغرب فإني طالع » ، بمعنى فإنني أفنى وأختفي ما أن تتبدّى أحكام الحضرة الإلهية على أنها هويتي ، وإن تغيب أحكام الحضرة الإلهية عن الظهور فيّ ، فإنني أعود للظهور بحقيقتي الإنسانية الخلقية . وهكذا تقوم علاقة جدلية ، على أرض ذات الإنسان الواصل إلى البقاء باللّه ، بين أحكام الحضرة الإلهية وبين أحكام الحضرة الإنسانية الخلقية . فتارة تظهر على ذات هذا الإنسان أحكام الحضرة الإلهية ، وهذا مقام قرب النوافل الذي يتحقق فيه العبد بأن الحق تعالى هو سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به . . . وتارة أخرى تظهر على أرض ذاته كل أحكام الحضرة الخلقية الكونية ، فيتحقق العبد بالذل والافتقار والعجز . . . يقول الجيلي ، [ في الإنسان الكامل ج 2 ص 49 وما بعد ] ؛ مقارنا بين علامات الساعة الكبرى واشراطها وبين علامات قيامها في كل فرد من أفراد الإنسان : « . . . فكما أن من إمارات الساعة الكبرى أن تلد الأمة ربّتها ، وأن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان ، كذلك الإنسان علامة قيام ساعته الخاصة به ظهور ربوبيته سبحانه وتعالى في ذاته ، فذات الإنسان هي الأمة ، والولادة هي ظهور الأمر الخفي من باطنه إلى ظاهره ، لأن الولد محله البطن ، والولادة بروز إلى ظاهر الحس ، فكذلك الحق سبحانه وتعالى موجود في الإنسان بغير حلول ، وهذا الوجود باطن فإذا ظهر بأحكامه وتحقق العبد بحقيقة كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ، ظهر الحق تعالى في وجود هذا الإنسان ، فتمكن من التصرف في عالم الأكوان . . . » كما يقول أيضا في المعنى نفسه في [ الإنسان الكامل ج 1 ص 19 ] : « فالأمر في الإنسان دوري ، بين أنه مخلوق له ذل العبودية والعجز ، وبين أنه على صورة الرحمن فله الكمال والعز . . . [ فهو أي