أفنى كل ما يعرفه وكل ما يراه من آثار الحضرة في الكائنات . . . وبعد أن أفنى كل ما يعرفه عن الحضرة ، وجد أنه قد فني عن ذاته وعن معرفة ذاته . لأن من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن فنيت عنه معرفته بربه فني عن معرفه نفسه .
ويكمل الجيلي الكلام على معرفة الحق تعالى فيقول ، وهذه المعرفة باللّه لم توجد عندنا في الحقيقة أبدا بل كانت دائما من نتاج تصوراتنا وعقولنا ، واللّه عزّ وجلّ بخلافها لأنه تعالى ليس كمثله شيء ، ولا تحده تصوراتنا ولا تسعه معرفتنا . ويرى الجيلي أن الوهم هو الذي كان يصور لنا أن معرفتنا هذه باللّه هي حقيقة الوجود الإلهي . باختصار ، إن كل معلوماتنا عن اللّه عزّ وجلّ ، وكل معرفتنا به تعالى ، ما هي إلا تصورات عقلية ، يزين لنا الوهم أنها حقيقة ، واللّه عزّ وجلّ بخلاف كل ذلك .
( 469 ) كذا الخلق فافهم ، إنّه متوهّم ، * وهذا فقشر ، كي يضلّ مخادع
المفردات :
متوهم : موجود في الوهم ، له وجود وهمي غير حقيقي . مخادع : مخدوع .
المعنى :
ولا يكتفي الجيلي بجعل معرفتنا باللّه وهما إنسانيا ، بل ها هو ينظر إلى الخلق كله على أنه وهم ، ويقول ؛ « كذا الخلق فافهم ، إنه متوهم » ، أي وحقيقة المخلوقات أيضا هي وهم ، فافهمها أيها القارئ وأيها السامع ، ولا تدع الأوهام والظواهر تحجبك . فالمخلوقات لم تستقل أبدا بوجود حقيقي ، وهل أتى عليها يوم من الدهر ونعمت فيه بوجود ذاتي غير معار . . . فالمخلوقات إذن - كما يرى الجيلي - ليس لها من الوجود إلا الوهم ، ووهم الوجود هذا هو كالقشر الذي وضع قصدا على الحقيقة الواقعة ، ليضلّل المخدوع فلا يعلم بأن الموجودات لم توجد أبدا ، ولم تتمتع بالوجود الحقيقي أبدا .
( 470 ) وها هي ، ما كانت سوى مخزن ، ولي * هناك من الحسن البديع بدائع
المفردات :
وها هي : أي معرفة اللّه التي توردها النصوص . ولي هناك : أي ولي في مخزن العلم .