تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
أوصافنا في ذواتنا » فهو يعلمنا بأنه وصل إلى التحقق بالحقيقة وغابت صفاته في ذاته . بمعنى آخر ، لقد وصل إلى مقام فناء الصفات ، وأن صفاته كلّها من شجاعة وكرم وغيرهما . . . قد غابت في ذاته ، ومحيت آثارها فلم يعد يظهر عنه أي أثر لصفة من صفاته . . . أما الشطر الثاني من البيت وهو قوله : « كما فنيت عني نعوت ضرائع » ، فيعني أن نعوته كذلك ضارعت صفاته في الفناء وشابهتها ، ففنيت وغابت ، واختفت آثارها في الوجود . . . ونقول إنّ الصفة والنعت تتشابه معانيها من حيث اللغة ، أما إذا دققنا في الحس اللغوي للمفرد نجد أن الصفة تنبع من الذات وتلتصق بها ، أما النعت فهو وصف يطلقه الغير على الذات لأنه يراه منه . فإنسان صفته الكرم هو كريم ، وإنسان ننعته بالكرم وقد لا تكون صفته الكرم البتة . . . فالنعت هو وصف يطلق من خارج على ذات لاحتمال اتّصافها به . . . باختصار النعت هو الوصف بصفة ، ويؤكد ذلك قوله تعالى :
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
[ الصافات : 180 ] . فالوصف إذا نعت من خارج يحتمل الصواب والخطأ . والصفة تنبع من داخل وتظهر آثارها للرائي وهي تشابه الاسم في دلالتها على الموصوف أو على المسمّى . والجيلي هنا عندما قال بفناء الصفات أتى بحرف الجر « في » ، وعندما قال بفناء النعوت أتى بحرف الجر « عن » ، فالصفة لنشوئها من الذات تعود وتفنى « في الذات » ، والنعت لنشأته من الغير ، أي من الرائي والمشاهد ، يعود ويرتد إلى الغير ويفنى « عن الذات » ، فلا تعرف به .
( 468 ) فأفنيتها حتّى فنيت ، ولم تكن * ولكنّني بالوهم كنت أطالع

المفردات :

فأفنيتها : أي فأفنيت عرفاني بها ، أي أفنيت ما أعرفه عن الحضرة الإلهية . ولم تكن : أي ولم تكن هذه المعرفة موجودة حقيقة . أطالع : انظر .

المعنى :

يتابع الجيلي وصف فناء صفاته ، فيقول ؛ إنه أفنى كل ما يعرفه عن الحضرة الإلهية ، وذلك لأن كل معرفة هي نظرية ، وهو لا يريد الاهتداء إلى اللّه تعالى بطريق النظر . . . أفنى الجيلي النظريات كلها ، وأفنى ما يعرفه عن الحضرة كله ، وأفنى التصورات التي كانت تتنزّل بالحضرة الإلهية من الغيب المطلق إلى التمثيل أو التشبيه ،
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 320 | سعاد الحكيم