يقول الجيلي : « ويعبدني بالذات عابدها » ، أي كل من عبد اللّه فكأنما عبده .
وهذه الجملة التي يستوقفنا الشطح الظاهر في ألفاظها ، وتتحفّز أعماقنا من تجرّوء مخلوق على قول هكذا عبارة ، نتوقف عندها لنرى لماذا قالها الجيلي ، ولنتكهن ماذا قصد بها ؟ . نبدأ بأن نقول إن المؤمن منا كلما تدفّق إيمانه وغمر مشاعره كلّها ، فإنه عندما يجد أمامه إنسانا يمجّد اللّه يشعر بالإعزاز كأنما هو الذي يتمجّد ، وعندما يجد أمامه إنسانا ينكر اللّه عزّ وجلّ يشعر بالعداء كأنّما هو الذي ينكر . فالمؤمن يشعر بالتوحّد الشعوري مع ما يؤمن به ، ويصبح لديه كل ثناء على ما يؤمن به كأنما هو ثناء عليه ، والعكس صحيح . . .
ولكن مهما كانت مشاعرنا تجاه هذا العابد للّه ، تبقى هذه العبارة شطحا غير مقبول ، ونحن هنا لن يأخذنا الشطح كذلك وننكر قصيدة الجيلي كلّها ، لأننا وجدنا فيها بعض عبارات شطحت عن حدّ العقل الشرعي ؛ بل نتمتّع ونستفيد من كل الأمور التعليمية التي أوردها في قصيدته ، ونقف عند شطحاته ، ولنا أن نتشدّد بها أو نتسامح كما يتناسب مع مزاجنا العقلي ؛ والجواهريّ الجيّد هو الذي عندما يجد كنزا لا يرمي به كلّه ويتلف جواهره بحجة أنه وجد فيه حصاة أو وجد فيه حجرا ينكره ، بل يأخذ ما يعرف من الجواهر ويترك جانبا ما لا يعلم منها ، لا يتعامل به . . .
وهكذا نحن مع شطحات الصوفية نأخذ جواهر أقوالهم ، نستفيد من لآلىء تجاربهم ، نشحذ الهمم من تأجج عاطفتهم الدينية ، ونتوقف عندما نجهل ؛ فعندما يتعارض ما نعلم من الشرع مع ما نجهل من أقوالهم ، نأخذ ما نعلم ، وما يتفق مع الشرع ، ونترك ما نجهل . وقد لا نعترض عليهم تسمّحا ، ولكن لا بأس علينا إن لم تتحمل مشاعرنا هذا التسمّح ، واعترضنا . فالشرع أولى بالفهم - لديهم ولدينا - من غريب أقوالهم . . . نسلّم لهم أقوالهم وغريب شطحاتهم ، ولكن ننبه إلى أنه يكفر كلّ من يرددها على وجه التقليد ، فلا يجوز مطلقا أن نقلّد على عدم معرفة بالوجه الشرعي فيما يتعارض ظاهره مع الشرع الواضح . والجيلي نفسه يقول في هذه القصيدة البيت ( رقم 271 ) « وسلّم له - أي للشيخ - مهما تراه ولم يكن على غير مشروع ، فثم مخادع » أي نسلم لهم أفعالهم وأقوالهم لأننا ربما نخدع عن قصدهم بظاهر قولهم ، وغاية ما نستطيعه هو أن نسلّم لهم ، دون أن نقلّدهم .
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 317
مساهمون: سعاد الحكيم
ص٣١٧