ويبلغه الإنسان عندما يشاهد عينا ما كان يعتقده يقينا في مرحلة سابقة ، مثلا يعلم كل إنسان يقينا - أي علما لا يتغير ولا يتحول - وجود الموت ومعناه ، ولكنه متى عاين ملائكة الموت وصل إلى عين اليقين . ولا تلبسن للخلق : أي ولا تتزين أمام المخلوقات بصفات سبق أن خلعتها .
المعنى :
بعد أن نبّه الجيلي السالك ، في الأبيات السابقة ، إلى أن أوصافه الإنسانية هي حجاب على نفسه البشرية يمنعه من رؤية الودائع الإلهية المودعة فيها ؛ يدعوه هنا لأن يشهد بعين بصيرته مضمون هذا القول . . . أي يدعوه لأن يشهد فناءه ، ويشهد أوصاف الحق فيه . وبعد أن يرى الإنسان فناءه ويخلع عن نفسه أوصافه البشرية ، ينصحه الجيلي بألا يتزين أمام المخلوقات بالصفات التي سبق أن خلعها للّه .
( 189 ) وكن باليقين الحقّ للخلق جاحدا * وجمعك صله إنّ فرقك قاطع
المفردات :
باليقين الحق : إشارة إلى « حق اليقين » ، وهو عبارة صوفية تشير إلى مرتبة متقدمة من مراتب اليقين . يجعل الصوفية اليقين على مراتب أربع هي علم وعين وحق ثم حقيقة . فعلم اليقين هو الاعتقاد الذي لا يداخله شك ؛ وإذا شاهد الإنسان اعتقاده بالعين وصل إلى مرتبة عين اليقين . وإذا تحقق بهذا الإعتقاد اليقيني وصل إلى مرتبة حق اليقين . ونكمل المثل الذي أوردناه في البيت السابق فنقول ؛ متى عاين الإنسان ملائكة الموت وصل إلى عين اليقين ، ولكنه متى ذاق الموت فيكون قد وصل إلى حق اليقين . جاحدا : منكرا . جمعك صله : داوم على حال الجمع ، وحال الجمع هو رؤية الحق دون النظر إلى الخلق [ را . شروحات البيت رقم 2 ] . إن فرقك : إن إقامتك في حال الفرق ، وهو رؤية المخلوقات [ را . شروحات البيت رقم 2 ] . قاطع : يقطع عن الحق .
المعنى :
ينصح الجيلي هنا السالك بأن يتذّوق عدم المخلوقات جميعا ، وأن يواصل رؤيته للحق عزّ وجلّ فقط ؛ لأن رؤية المخلوقات تقطع عن الحق .