جميل أعماله ، يقول ذو النون المصري [ اللمع : 307 ] : « ومن لم يعدّ البلاء نعمة فليس من الحكماء » . ويؤكد الصوفية على أن العاشق يثبت عند الامتحان أكثر مما يثبت المؤمن الصالح أو السالك المريد ، لأن العاشق مأخوذ بالنظر إلى معشوقه لا يلتفت إلى ما يعاني بدنه أو روحه من آلام .
( 32 ) تحكّم بما تهواه فيّ فإنّني * فقير لسلطان المحبّة طائع
المفردات :
تحكّم بما تهواه فيّ : أي إفعل فيّ ما تريد . فقير : الفقر هو الحاجة .
ويرى الصوفيون إن الفقر هو صفة كل المخلوقات ، فكل موجود سوى اللّه تعالى هو فقير بوجه من الوجوه ، فليس في الوجود إلا غنيّ واحد هو اللّه تعالى ، وكل من عداه فقراء إليه ، حتى أضحى لفظ « فقير » اسم علم على المتصوف والسالك في القرنين الثالث والرابع الهجريين .
المعنى :
يخاطب الجيلي محبوبه قائلا : أحكم وتحكّم فيّ ، وليمتدّ سلطان هواك على جميع ذاتي ، فأنا عاشق ساكن تحت تجلّيات قهر محبتك وسلطانها .
( 33 ) حببتك ، لا لي ، بل لأنّك أهله * وما لي في شيء سواك مطامع
المفردات :
بل لأنك أهله : أي أحببتك لأنك أهل للحب . ويسمي الصوفية هذا النوع من الحب بالحب الذي يستوجبه مقام المحبوب ، في مقابل الحب الانساني الذي يطمح فيه الإنسان بامتلاك محبوبه . وقد كان لرابعة العدوية فضل السبق في ترسيخ هذين النوعين من الحب الإلهي : حب الهوى ، والحب الذي يستوجبه المحبوب لذاته ومقامه ، فأنشدت :
أحبّك حبين حبّ الهوى * وحبّا لأنك أهل لذاكا
المعنى :
يواصل الجيلي خطاب محبوبه فيقول : أحببتك لا لتكون لي ، بل لأن مقامك استوجب حبا فأحببتك . . . وها هي نفسي الآن فارغة عن أي طلب ، لأنها - من جهة - منعت من الطمع في امتلاكك ؛ وهي - في الأصل ومن جهة ثانية - زاهدة في كل ما عداك لم تطمع يوما في سواك .