تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وبعد الحبيب أحرق وجوده ، وكان أشدّ هولا من نار جهنم . بل أهوال جهنم نفسها لا تقاس بما يقاسيه من الوجد .
( 21 ) جفوني بها نوح وطوفانها الدّما * ونوحي رعد ، والزّفير اللّوامع

المفردات :

نوحي : النوح هو البكاء المصحوب بالصوت . وقد أقام الشاعر هنا جناسا لطيفا بين اسم النبي نوح عليه السّلام وبين نوح أي بكاء . والزفير : إخراج النفس من الصدر . اللوامع : البرق .

المعنى :

بعد أن غنّى الشاعر أوجاعه وشوقه وحرمانه وأحلامه المستحيلة وعهوده القديمة ، سوف يشير تباعا إلى ألوان بلائه بصور شعرية واستعارات ورموز تأخذ طاقتها من المخزون الوجداني لحياة الأنبياء ومعاناتهم ؛ يلمّح بذلك إلى أنه متبّع وليس مبتدعا . وفي هذا البيت أتى الشاعر بصورة مبتكرة استحضرها من طوفان نوح عليه السّلام ، ليعبّر بها عن بكائه ونوحه وزفراته . فكأن نوحا عليه السّلام مقيم في جفونه ؛ وغنيّ عن البيان أنه من هذا المكان فار التنور وأغرقت السماء كل شيء . . . والرعد الذي صاحب الطوفان زمن نوح عليه السّلام يقابله بكاء الشاعر الذي يسمع صوته في الآفاق . أما أنفاسه فهي البرق ، لأنه كلّما أخرجها من صدره ، اندفعت النار المشتعلة في أعماقه تلمع في زفيره .
( 22 ) وجسمي به أيّوب قد حلّ للبلا * وكم مسّني ضرّ وما أنا جازع

المفردات :

للبلا : للبلاء ، والبلاء - لغة - هو الامتحان والاختبار . وقد فرّق الصوفية بين الامتحان والبلاء ، فالامتحان هو أن يمتحن اللّه تعالى محبّيه وطالبيه بأنواع البلايا في قلوبهم ، كالخوف والحزن والقبض والهيبة ؛ وقد أخذ الصوفية الامتحان من قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
[ الحجرات : 3 ] . أما البلاء فهو أعلى عندهم من الامتحان ، لأن الامتحان يؤثر في القلب فقط على حين أنّ البلاء اسم للألم الذي يظهر على قلب المؤمن وجسده . ووقوع البلاء لسالكي المتصوفة هو ضرورة منهجية ، لأنه يظهر أحوال الرجال ويفضح المدّعي ؛ فمن ابتلي
إبداع الكتابة وكتابة الإبداع ( عين العينية ) — صفحة 148 | سعاد الحكيم