دعماً لتسلّطه ، ولم يأل جهداً في توطيد قواعد عرش ذلك الجبّار السفّاك الذي ليس له مثيل في عصره ، ودخل الميدان تدريجاً كالمنصور نفسه في بادئ أمره قبل انتقال الحكومة من الامويّين إلى العبّاسيّين ( أي : قبل سنة 132 ه - ) . فقد كان طالباً فاضلًا قانعاً زاهداً ، وكان يسافر لطلب العلم وأخذ الرواية . وعُدّ من النموذجيّين اولي الفهم والكياسة . لكنّه انقلب رأساً على عقب بعد انتقال الحكم ، بخاصّة بعد سنة 136 ه - حين تصدّى للأمر وأصبح على رأس السلطة الجائرة . فقد تغيّرت شخصيّته وهويّته حتى اختدم جميع علومه - وكان يرى نفسه أعلم أهل زمانه - في طريق الانحراف والاعتداء على الشعب المسكين والامّة المستكينة ، ولم يبلغ النصاب في ظلمه ، بل ضرب الرقم القياسيّ فيه ، وفعل كفعل نيرون وسابور ذي الأكتاف .
لقد حجّ المنصور ستّ مرّات ، وفي سنة مائة وثلاث وخمسين « 1 » أمر مالكاً وهو بمنى أن يدوّن الرسائل العمليّة للناس كافّة في أرجاء بلاده ، وفي السنة التي تلتها حجّ ولده المهدي ، والتقى بمالك في المدينة وكان قد دوّن كتب « الموطّأ » . وفي سنة مائة وثماني وخمسين « 2 » مات المنصور في آخر حجّة له ، وفي سنة مائة وتسع وستّين مات ولده المهدي ، « 3 » وفي السنة التي أعقبتها حجّ هارون والتقى بمالك في المدينة ، وكانت القضايا الواقعة بينه وبين هارون في هذه السنة .
وأمّا أوّل سفرة التقى فيها بمالك فقد كانت في سنة مائة وثماني
هامش
( 1 ) - ذكر ابن قتيبة في « الإمامة والسياسة » ج 2 ، ص 178 ، الطبعة الثالثة : أنّها كانت سنة مائة وثلاث وستّين .
( 2 ) - في « الإمامة والسياسة » ج 2 ، ص 181 : سنة مائة وستّ وستّين .
( 3 ) - أورد ابن قتيبة في « الإمامة والسياسة » ج 2 ، ص 182 : أنّها سنة مائة وثلاث وسبعين .