العراق قد قالوا قولًا تعدّوا فيه طورهم ، ورأيتُ أنّي خاطرتُ بقولي ، لأنّهم أهل ناحية . وأمّا أهل مكّة فليس بها أحد ، وإنّما العلم علم أهل المدينة ، كما قال الأمير .
وإن لكلّ قومٍ سلفاً وأئمّة . فإن رأى أمير المؤمنين أعزّ الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل .
فقال أبو جعفر : أمّا أهل العراق فلَا يَقْبَلُ أمير المؤمنين مِنْهُمْ صَرْفاً وَلَا عَدْلًا ، وإنّما العلم علم أهل المدينة . وقد علمنا أنّك إنّما أردت خلاص نفسك ونجاتها .
فقال مالك : أجل يا أمير المؤمنين ! فاعفني يعف الله عنك !
فقال أبو جعفر : قد أعفاك أمير المؤمنين . وأيم الله ما أجد بعد أمير المؤمنين « 1 » أعلم منك ولا أفقه ! « 2 »
نفهم من هنا أيضاً أنّ الأعلميّة والأفقهيّة من جميع الامّة من الشروط الأولى اللازمة للرئيس والإمام الحاكم في الإسلام . وقد تمسّك المنصور بمالك بن أنس واستشهد به بعد نفسه - التي سمّاها أمير المؤمنين - تثبيتاً لموقعه .
وعلى هذا الأساس كانت عدم دراية الأئمّة الأربعة لأهل السنّة وعدم فقاهتهم . وهو ما نبّه عليه العالم المصريّ الشيخ محمود أبو ريّة الذي كان من العامّة وقذف الله النور في قلبه حقّاً ، فأحصى في كتابه « أضواء على السنّة المحمّديّة » كثيراً من أخطاء كتب العامّة وأصحابها .
هامش
( 1 ) - يريد نفسه .
( 2 ) - « الإمامة والسياسة » ج 2 ، ص 140 و 141 ، طبعة مصر ، سنة 1328 ؛ و : ج 2 ، ص 170 و 171 ، الطبعة الثالثة ، مطبعة الحلبيّ .