الأحاديث ؟ !
أجل ، لقد سمعها . والله قد سمعها ، بَيدَ أنّها لم تَرُق المنصور فلا بدّ أن تسقط ليظلّ شأن مالك واعتباره وجاهه على أريكة التحكيم ، وليعلم أنّ معارضة وإلى المدينة المنصوب من قبل المنصور تستتبع سبعين جلدة لفتوى صحيحة أفتاها ، ولعلّه لم يَنسَ مرارتها حتى آخر العمر .
إن معارضة المنصور تستتبع الضرب والقتل والحبس ، وهو ما رآه مالك رأي العين مع بني الحسن . وتستتبع أيضاً التشريد والأذى ، والاعتصام في بيت العلم ، والسجن ، والنفي ، وأخيراً سمّ الإمام الصادق ، وهو ما كان مالك بن أنس مطّلعاً على تفاصيله .
بَيدَ أنّ مالكاً كان يريد أن يكون رئيس الافتاء ومرجع الحجاز في الحكم والقضاء ، ويحضر في مسجد المدينة بلباس جميل وخلعة خلّابة ، ويدرِّس فيه ، وتُقسّم خمسة أبيات المال حيناً . وعشرة أبياته حيناً آخر على أهل المدينة غنيّهم وفقيرهم بِيَدِهِ وتحت إشرافه ، لتبقى الشؤون المالكيّة محفوظة تحت إمارة أمير المؤمنين المهدي وأمير المؤمنين هارون . وليستمتع بالجوائز السنيّة ، ألف دينار له وألف لابنه في مِنى مرّة ، وعشرة آلاف دينار له وألف لابنه مرّة أخرى بعد تدوين دستور البلاد للمنصور ( كتاب « الموطّأ » ) .
هل يمكن أن نتصوّر أنّ مالكاً يعارض المنصور بعد ذلك التجليل والتبجيل الذي أبداه له في منى ؟ ! لما ذا لم يقل مالك للمنصور حين اعتذر إليه المنصور : لمّا كانت بيعتك بالقوّة والإكراه ، فلا مؤاخذة على نكثها وفقاً للحديث النبويّ ؟ !
لما ذا قبل عذر جعفر بن سليمان ، وعفا عنه لقرابته منه ؟ !
هذه وعشرات الأسئلة التي لاحظناها من تضاعيف حكاية ابن قُتيبة
معرفة الإمام — صفحة 490
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤٩٠