فقال المغيرة : فأنت كافر بنبيّ قضى باليمين مع الشاهد ، أو مؤمن به ؟ !
فسكت أبو يوسف ، فحجّه المغيرة . فسُرّ بذلك الرشيد ، وأمر للمغيرة بألف دينار . ثمّ أرسل الرشيد إلى مالك ، فقال : ما تقول في هذا المنبر ؟ ! فإنّي أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان ، وأردّه إلى الثلاث درجات التي كانت بعهد رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم !
فقال له مالك : لا تفعل يا أمير المؤمنين ! فإنّما هو من عودٍ ضعيف قد تخرّمته المسامير . فإن نقضته تفكّك وذهب أكثره .
ومع هذا أنّه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينقل عن المدينة ! يأتي بعدك أحد فيقول أو يُقال له : ينبغي لمنبر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أن يكون معك حيث كنتَ . فإنّما المنبر للخليفة ، فينتقل كما انتقل من المدينة كلّ ما كان بها من آثار رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ما أعلم أنّه ترك له عليه الصلاة والسلام بها نعل ، ولا شعر ، ولا فراش ، ولا عصاة ، ولا قدح ، ولا شيء ممّا كان له هاهنا من آثاره إلّا وقد انتقل . فأطاعه الرشيد ، وانتهى عن ذلك برأي مالك بن أنس . وكان ذاك رحمة من الله لأهل المدينة ، وتثبيتاً لمنبر رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم بين أظهرهم . « 1 »
أجل ، لو أراد أبو جعفر المنصور أن يُرجع الناس إلى أصل الإسلام
هامش
( 1 ) - كتاب « الإمامة والسياسة » المعروف ب - « تاريخ الخلفاء » تاليف أبي محمّد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينوريّ المولود سنة 213 والمتوفّى سنة 267 ، ج 2 ، ص 146 إلى 154 ، طبعة مطبعة الامّة بدرب شغلان ، مصر ، سنة 1338 ه - ؛ و : ج 2 ، ص 177 إلى 186 ، الطبعة الثالثة ، سنة 1382 ه - ، مطبعة مصطفى البأبي الحلبيّ بمصر .