بيعة أهل المدينة ، وهمّ أن يبدر فيه بما عافاه الله منه ، وأنعم على المسلمين ببقائه .
فقيل له : لا تبدر فيه ببادرة ، فإنّه من أكرم الناس على أمير المؤمنين ( المنصور ) ، وآثرهم عنده . ولا بأس عليك منه ، فلا تحدّث شيئاً إلّا بأمر أمير المؤمنين ، أو يستحقّ ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة .
فدسّ إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله ، ومن مأمنه يؤتي الحذر . فسأله عن الأيمان في البيعة ، فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه ، وحسبة فيه . فلم يشعر مالك إلّا ورسول جعفر بن سليمان فيه ، فأتوا به إليه منتهك الحرمة ، مذال الهيبة . فأمر به ، فضُرب سبعين سوطاً . فلمّا سكن الهيج بالمدينة ، وتمّت له البيعة ، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه .
إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك
وذكروا أنّه لمّا بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس ، وما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاماً شديداً ، وأنكره ولم يرضه . وكتب بعزل جعفر بن سليمان عن المدينة ، وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب . وولّى على المدينة رجلًا من قريش من بني مخزوم . وكان يوصف بدين وعقل وحزم وذكاء ، وذلك في شهر رمضان من سنة إحدى وستّين ومائة .
وكتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس ليستقدمه إلى نفسه ببغداد ، فأبي مالك ، وكتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك ، ويعتذر له ببعض العذر إليه . فكتب أبو جعفر إليه : أن وافني بالموسم العام القابل إن شاء الله ، فإنّي خارج إلى الموسم .
معرفة الإمام — صفحة 480
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤٨٠