والرئاسة قد أقرّ به أعداؤه كأبي جعفر المنصور الدوانيقيّ وغيره . مع ذلك لمّا كان أساس وجوده محرجاً لسطلنة المنصور الكسرويّة وجبروتيّته الفرعونيّة ، فقد بذل ما بذل من الأموال الطائلة من أجل إطفاء نوره . وتزامناً مع إمامته ، وسجن نجله موسى بن جعفر عليهما السلام مع التشريد والتضييق في طوامير سجن بغداد ، واستشهادهما - في آخر المطاف - بسمٍّ قاتل ، أمر مالك بن أنس أن يصنّف كتاب المسائل ( توضيح المسائل في عصرهم ) لينشره في أرجاء العالم بالقوّة والإكراه .
ونكتفي فيما يأتي بما ذكره ابن قتيبة الدينوريّ في كتاب « الإمامة والسياسة » حول هذا الكتاب الذي صُنِّف بأمر المنصور . ولعلّ مسائل أخرى تستبين للقارئ الكريم حوله أيضاً من خلال الإمعان في خصوصيّات الأمر :
قال ابن قتيبة : وذكروا أنّه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيّام أبي جعفر ، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمّه جعفر بن سليمان بن العبّاس ، ليسكن هيجها وفتنتها ، ويجدّد بيعة أهلها ، فقدمها وهو يتوقّد ناراً على أهل الخلاف لهم ، فأظهر الغلظة والشدّة ، وسطا بكلّ من ألحد في سلطانهم ، وأشار إلى المنازعة لهم ، وأخذ الناس بالبيعة .
وكان مالك بن أنس لم يزل صغيراً وكبيراً محسداً . . . فاستدعى ذلك منهم الحسد له ، وألجأهم ذلك إلى البغي عليه ، فدسّوا إلى جعفر بن سليمان من قال له : إن مالكاً يُفتي الناس بأنّ أيمان البيعة لا تحلّ ، ولا تلزم لمخالفتك ، واستكراهك إيّاهم عليها ، وزعموا أنّه يُفتي بذلك أهل المدينة أجمعين لحديث رواه عن النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم أنّه قال : رُفِعَ عَنْ امَّتي الخَطَأُ وَالنِّسيَانُ وَمَا اكْرِهُوا عَلَيْهِ .
فعظم ذلك على جعفر واشتدّ عليه وخاف أن ينحلّ عليه ما أبرم من
معرفة الإمام — صفحة 479
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤٧٩