الحسينيّ في كتابه الثمين « الطرائف » بعد شرح مفصّل في إثبات علل بطلان القياس ، وتحقيق في مصدره ، وطعن على العاملين به : وقد روى الخطيب في تاريخه ، وابن شيرويه الديلميّ قالا : إن النبيّ صلّى الله عليه وآله قال :
سَتَفْتَرِقُ امَّتي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، أعْظَمُهَا فِتْنَةً عَلَى امَّتي قَوْمٌ يَقِسُونَ الامُور ، فَيُحَرِّمُونَ الحَلالَ وَيُحَلِّلُونَ الحَرَامَ . « 1 »
أهل القياس يبدّلون الحلال والحرام أحدهما بالآخر
هامش
( 1 ) - قال العلّامة الحلّيّ في « منهاج الكرامة » ص 12 إلى 14 ، طبعة عبد الرحيم ، في ردّ آراء العامّة وأفعالهم : وذهبوا ( العامّة ) إلى أنّه تعالى آمر وناهٍ في الأزل - ولا مخلوق عنده - قائلًا : يَا أيُّهَا النَّبيّ اتّق الله ، يَا أيُّهَا الذين آمنوا اتّقوا الله ، يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم . ولو جلس شخص في منزله - ولا غلام عنده - فقال : يا سالم قم ! ويا غانم كُل ! ويا نجاح ادخل ! قيل : لمن تنادي ؟ فيقول : لعبيد أريد أن اشتريهم بعد عشرين سنة ! نسبه كلّ عاقل إلى السفه والحمق . فكيف يحسن منهم أن ينسبوا الله تعالى إليه في الأزل ؟ !
وذهب جميع من عدا الإماميّة والإسماعيليّة إلى أنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام غير معصومين ، فجوّزوا بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو والخطأ والسرقة . فأيّ وثوق يبقي للعامّة في أقاويلهم ؟ ! وكيف يحصل الانقياد إليهم ؟ ! وكيف يجب اتّباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون به خطأ ؟ ! ولم يجعلوا الأئمّة محصورين في عدد معيّن ، بل قالوا : كلّ من بايع قرشيّاً انعقدت إمامته عندهم ، ووجب طاعته على جميع الخلق إذا كان مستور الحال ، وإن كان على غاية من الكفر والفسوق والنفاق .
وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس ، والأخذ بالرأي ، فأدخلوا في دين الله ما ليس منه ، وحرّفوا أحكام الشريعة ، وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله ولا في زمن صحابته ، وأهملوا أقاويل الصحابة ، مع أنّهم نصّوا على ترك القياس ، وقالوا : أوَّلُّ مَن قَاسَ إبْلِيسُ . وذهبوا بسبب ذلك إلى أمور شنيعة كإباحة البنت المخلوقة من الزنا ، وسقوط الحدّ عمّن نكح امّه وأخته مع علمه بالتحريم والنسب بواسطة عقد يعقده ، وهو يعلم بطلانه ، وعمّن لفّ على ذكره خِرقةً وزني بامّه أو بنته مع علمه بالتحريم والنسب ، وعن اللائط مع أنّه أفحش من الزنا وأقبح ؛ وإلحاق نسب المشرقيّة بالمغربيّ ، فإذا زوّج الرجل ابنته وهي في المشرق برجل هو وأبوها في المغرب ، ولم يفترقا ليلًا ونهاراً حتى مضت مدّة ستّة أشهر فولدت البنت في المشرق ، التحق نسب الولد بالرجل الذي هو وأبوها في المغرب ، مع أنّه لا يمكنه الوصول إليها إلّا بعد سنين متعدّدة ، بل لو حبسه السلطان من حين العقد وقيّده ، وجعل عليه حفظةً مدّة خمسين سنة ، ثمّ وصل إلى بلد المرأة ، فرأى جماعة كثيرة من أولادها وأولاد أولادها إلى عدّة بطون ، التحقوا كلّهم بالرجل الذي لم يقرب هذه المرأة ولا غيرها البتة . وإباحة النبيذ مع مشاركته الخمر في الإسكار والوضوء به ، والصلاة في جلد الكلب ، والسجود على العذرة اليابسة ( نقل العلّامة هنا صلاة القفّال المروزيّ على فقه أبي حنيفة عند السلطان محمود بإيجاز ) ثمّ قال : وأبا حوا المغصوب لو غيّر الغاصب الصفة ، فقالوا : لو أنّ سارقاً دخل بدار شخص له فيه دوابّ ورحى وطعام ، فطحن السارق طعام صاحب الدار بدوابّه وأرحيته ، ملك الطحن بذلك . فلو جاء المالك ونازعه كان المالك ظالماً ، والسارق مظلوماً . فلو تقاتلا ، فإن قُتل المالك كان هدراً ، وإن قُتل السارق كان شهيداً . وأوجبوا الحدّ على الزاني إذا كذّب الشهود ، وأسقطوه إذا صدّقهم ، فأسقطوا الحدّ مع اجتماع الإقرار والبيّنة . وهذا ذريعة إلى إسقاط حدود الله تعالى ، فإنّ كلّ من شُهِدَ عليه بالزنا فليصدق الشهود ليسقط عنه الحدود ؛ وإباحة أكل الكلب ، واللواط ، وإباحة الملاهي كالشطرنج والغناء ، وغير ذلك من المسائل التي لا يحتملها هذا المختصر .