من هذه المعاني .
فإن قال قائل : فما يدلّ على أن لا يجوز أن يستحسن إذا لم يدخل الاستحسان في هذه المعاني مع ما ذكرت في كتابك هذا ؟ ! قيل : قال الله عزّ وجلّ : أيَحْسَبُ الإنسَانُ أن يُترَكَ سُدًى . « 1 »
فلم يختلف أهل العلم بالقرآن فيما علمتُ أنّ السدي الذي لا يؤمر ولا يُنهى . ومن أفتى أو حكم بما لم يؤمر به فقد أجاز لنفسه أن يكون في معاني السدى ، وقد أعلمه الله أنّه لم يتركه سدى ، ورأى أن قال : أقول بما شئت . وادّعى ما نزل القرآن بخلافه في هذا ، وفي السنن ، فخالف منهاج النبيّين صلّى الله عليهم [ وآلهم ] وسلّم أجمعين وعوامّ حكم جماعة من روى عنه من العالمين . « 2 »
وجملة القول : أنّ من ضرورات المذهب الشيعيّ بطلان وحرمة الحكم والفتوى بالرأي والاستحسان والقياس . « 3 » ومن الطبيعيّ أنّ القياس
هامش
( 1 ) - الآية 36 ، من السورة 75 : القيامة .
( 2 ) - « الامّ » تاليف محمّد بن إدريس الشافعيّ ، ج 7 ، ص 298 ، الطبعة الأولى ، سنة 1381 ه - ، شركة الطباعة الفنّيّة المتّحدة .
( 3 ) - تحدّث الجويني مفصلًا عن كيفيّة أخذ القياس عند الشافعيّ ، وذكر في كتاب « مغيث الخلق » قبل ص 43 ، سلسلة المراتب والدرجات في تنقيح الأحكام الشرعيّة ، ثمّ قال في ص 43 :
هذا تدقيق نظر الشافعيّ ووجه تصرّفاته في تفاريعه حيث رتّب هذا الترتيب وراعى هذه المراتب ، وأبو حنيفة ساوى بين المعاملات والمناكحات والتكبير والعبادات والقرآن المعجز المنزل من ربّ السماوات والأرض ، وقال : ينعقد البيع بغير لفظه ، والنكاح بغير لفظه ، والتكبير بغير لفظه . والقرآن بغير نظمه ، حتى لو قرأ فارسيّة القرآن في الصلاة تنعقد صلاته . وهذا مزج فن بفنّ ، وخلط قبيل بقبيل ، وذهول عن الدقائق . فإذن الشافعيّ أتمّ نظراً في القياس وأعمّم تدقيقاً من أبي حنيفة ، فلهذا استنكف محمّد بن الحسن وأبو يوسف عن متابعته في ثلثي مذهبه ووافقا الشافعيّ في أكثر المسائل .