الجمهور ، فكيف لا يكون له مذهب ؟ ! فقلتُ : الذي اطّلعتُ عليه من تفسير القرآن أنّه أشعريّ الأصول ، حنفيّ الفروع .
أمّا الأوّل ، فلقوله : فَبِمَآ أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمِ ، « 1 » فنسب الغواية وحملها على حبّه ، كما فعلته الأشاعرة .
وأمّا الثاني ، فمن جهة عمله بالقياس لمّا أبي عن السجود وقوله :
خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ، « 2 » حيث قايس بين العنصرين ، وزعم أنّ عنصره الأشرف ، فكيف يسجد لمن هو تحته في الفضل .
ولهذا قال عليه السلام : لَا تَقِيسوا ، فإنَّ أوَّلَ مَن قَاسَ إبْلِيسُ !
لكنّه فُضِّل على القوم بأنّه استدلّ بقياس الأولويّة ، وهم يستدلّون بالمساواة وما في معناه .
مدّة الحمل عند العامّة ومدّة حمل الشافعيّ
ومنها ما ذكره في بيان ما تعلّق بأمر الحمل والولادة من كتابه « الأنوار » فقال : وذهب مخالفونا إلى أنّ مدّة الحمل قد تكون أربع سنين ، وذلك محمّد بن إدريس الشافعيّ قد سافر أبوه عن امّه وبقي مدّة كثيرة .
فولدت الشافعيّ وأتت به بعد خمس سنين من سفر أبيه . فلمّا بلغ الشافعيّ وفهم الحكاية ذهب إلى مدّة الحمل قد تكون خمس سنين ستراً على ما صنعته امّه في غيبة أبيه .
وقد نقل هذا جمهور المخالفين . ولمّا كان من الأمور الغريبة والكرامات العجيبة وباعثاً لاتّهام الروافض ، ذكروا لها علّة حاصلها أنّ محمّد بن إدريس الشافعيّ إنّما بقي في بطن امّه هذه المدّة الكثيرة لأنّ أبا حنيفة كان حيّاً في الدنيا ، وكان الناس يستضيئون بأنوار قياساته ،
هامش
( 1 ) - الآية 16 ، من السورة 7 : الأعراف .
( 2 ) - الآية 76 ، من السورة 38 : ص .