فلمّا بلغ عليه السلام كلامه هذا ضحك ، ثمّ قال : لَعَنَهُ اللهُ . أمّا في قوله : أنا رجل صحفيّ فقد صدق قرأتُ صحف آبائي وإبراهيم وموسى - الحديث . « 1 »
هامش
مناقب مزيّفة مزعومة لأبي حنيفة
( 1 ) - ذُكرت لأبي حنيفة مناقب وفضائل يأباها العقل . قال ابن خلّكان في « وفيّات الأعيان » ج 5 ، ص 413 ، طبعة بيروت : صلّى أبو حنيفة فيما حُفِظَ عليه صلاة الفجر بوضوء صلاة العشاء أربعين سنة ، وكان عامّة ليله يقرأ جميع القرآن في ركعة واحدة . وكان يُسمع بكاؤه في الليل حتى يرحمه جيرانه ، وحُفظ عليه أنّه ختم القرآن في الموضع الذي توفّي فيه سبعة آلاف مرّة . وقال إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة عن أبيه : لمّا مات أبي سألنا الحسن بن عمارة أن يتولّى غسله ففعل . فلمّا غسله ، قال : رحمك الله وغفر لك ! لم تفطر منذ ثلاثين سنةً ، ولم تتوسّد يمينك في الليل منذ أربعين سنة ، وقد أتعبتَ مَن بعدك ! وفضحتَ القرّاء !
وجاء في ديباجة كتاب « الدرّ المختار » في شرح « تنوير الأبصار » في الفقه الحنفيّ ومؤلّفه محمّد علاء الدين الحسكفيّ ( وأصل « تنوير الأبصار » من تاليف الشيخ محمّد تمر تاشي الحنفيّ ) ص 5 إلى 8 ، الطبعة الأولى بالهند ، سنة 1272 ه - - 1856 م ، ما نشير إلى بعضه فيما يأتي : قال إسماعيل بن أبي رجاء : رأيتُ محمّداً ( محمّد بن الحسن الشيبانيّ تلميذ أبي حنيفة المعروف ) في المنام فقلتُ له : ما فعل الله بك ؟ ! فقال : غفر لي . ثمّ قال : لو أردتُ أن أعذّبك ما جعلتُ هذا العلم فيك ! فقلتُ له : فأين أبو يوسف ؟ ( تلميذ ممتاز آخر لأبي حنيفة ) قال : فوقنا بدرجتين . قلتُ : فأبو حنيفة ؟ ! قال : هيهات ، ذاك في أعلى علّيّين - انتهى .
كيف وقد صلّى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة ، وحجّ خمساً وخمسين حجّة ، ورأى ربّه في المنام مائة مرّة . ولها قصّة مشهورة . وفي حجّته الأخيرة استأذن حَجَبة الكعبة بالدخول ليلًا ، فقام بين العمودين على رجله اليمنى ووضع اليُسرى على ظهرها حتى ختم نصف القرآن ثمّ ركع وسجد ، ثمّ قام على رجله اليسرى ووضع اليمنى على ظهرها حتى ختم القرآن . فلمّا سلّم بكى وناجى ربّه وقال : إلَهي ما عَبدَكَ هَذا العبد الضَّعيفُ حَقَّ عِبادتك ، لكن عَرَفَك حقَّ مَعْرفتك ! فهَب نقصانَ خدمته لكمال معرفته ! فهتف هاتف من جانب البيت : يا أبا حنيفة ! قَدْ عَرَفْتَنَا حَقَّ المعرفة ، وَخَدِمْتَنَا فَأحْسَنْتَ الخِدمةَ ، وقد غَفَرْنَا لَكَ وَلِمَنِ اتَّبَعَكَ مِمَّن كان على مذهبك إلى يوم القيامة ! * إلى أن قال : وعنه عليه الصلاة والسلام : إن آدم افتخر بي ، وأنا أفتخر برجلٍ من امّتي اسمه نُعمان وكنيته أبو حنيفة ، وهو سراج امّتي . إلى أن قال : مَن أحَبَّهُ فقد أحَبَّنِي ، ومن أبْغَضَهُ فقد أبْغَضَنِي . كذا في التقدمة شرح مقدّمة أبي الليث . قال في « الضياء المعنويّ » : وقول ابن الجوزيّ : إنّه موضوع ، تعصّب ، لأنّه روي بطرق مختلفة .
وروى الجرجانيّ في مناقبه بسنده لسهل بن عبد الله التستريّ أنّه قال : لو كان في امّة موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهوّدوا ولما تنصّروا . . . إلى أن قال : والحاصل أنّ أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى صلّى الله عليه وآله بعد القرآن . وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه . ما قال قولًا إلّا أخذ به إمام من الأئمّة الأعلام . وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه إلى هذه الأيّام ، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام . . . إلى أن قال : قيل : ويوم توفّي ولد الإمام الشافعيّ فعدّ من مناقبه . إلى آخر مقدّمته الطويلة . أجل ، إن قصدنا من هذا الشرح أن نقول : لا يخفى على القرّاء واولي الدراية أنّ هذه المناقب جميعها موضوعة ، وقد تلوّث العامّة من أتباعه بهذه التمويهات من أجل تضخيمه .
* - ذكر الخطيب بعض هذه الأخبار في « تاريخ بغداد » ج 13 ، ص 354 ، ثمّ أورد روايات مستفيضة في ذمّ أبي حنيفة .