الشافعيّ علماً ، وأطولهم في تعليمه زماناً . والشافعيّ شيخ أحمد بن حنبل .
وكمثلهم كان المحدّثون العظماء : يحيى بن سعيد محدِّث المدينة ، وابن جُرَيح ، وابن عُيَيْنَة محدِّثا مكّة . وابن عيينة هو المعلّم الأوّل للشافعيّ في الحديث .
فلندع للأئمّة وصف مكانهم من الإمام ، وفيه وصف مجالس علمه :
يقول مالك بن أنس : كنت أرى جعفر بن محمّد ، وكان كثير الدعابة والتبسّم ، فإذا ذُكر عنده النبيّ اخضرّ واصفرّ . ولقد اختلفتُ إليه زماناً فما كنتُ أراه إلّا على ثلاث خصال . إمّا مصلّياً ، وإمّا قائماً ، وإمّا يقرأ القرآن .
وما رأيته يحدّث عن رسول الله إلّا على الطهارة . ولا يتكلّم فيما لا يعنيه .
وكان من العلماء والعبّاد والزهّاد الذين يخشون الله . وما رأيته قطّ إلّا ويخرج وسادة من تحته ويجعلها تحتي .
وفي مقولة أخرى يضيف مالك : وكان كثير الحديث ، طيّب المجالسة ، كثير الفوائد . إذا قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ اخضرّ مرّةً واصفرّ أخرى حتّى ينكره من يعرفه . ولقد حججت معه سنةً فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام ، كلّما همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه ، وكاد أن يخرّ عن راحلته . فقلتُ : يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ ! أو لا بدّ لك أن تقول ؟ !
قال : كَيْفَ أجْرَؤُ أنْ أقُولَ : لَبَّيْكَ ، وَأخْشَى أنْ يَقُولَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :
لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ !
وإنّا لنذكر ما كان يصنعه جدّه زين العابدين في هذا المقام .
وأصبح مالك إذا ذُكر النبيّ اصفرّ لونه . فإذا تساءل جلساؤه قال : لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم علَيّ ما ترون . ويذكر لهم حال ابن المنكدر ، « 1 »
هامش
( 1 ) - قال في الهامش : محمّد بن المنكدر ( 130 ) من معادن الصدق بالمدينة وأشياخ مالك ، من بني تيم قبيلة أبي بكر ، وهم مشهورون بالرقّة والورع . وهم أجداد الإمام جعفر ، كان لا يسأل ابنَ المنكدر أحدٌ عن حديث إلّا بكى . ومالك يقول : كنت إذا وجدتُ من نفسي قسوةً آتي ابن المنكدر فأنظر إليه نظرة فأبغض نفسي أيّاماً وابن المنكدر يقول :
« كابدتُ نفسي في ذلك أربعين عاماً حتى استقامت . وكان من بني المنكدر إخوة ثلاثة فقهاء :
محمّد ، وأبو بكر ، وعمر أبناء المنكدر .